العدد الثالثمقالات

معارك الأثري الأدبية والفكرية

معارك الأثري الفكرية والأدبية

معارك الأثري
الأدبية والفكرية

تقدمة:

إنّ العلامة محمد بهجة الأثري قد شكّل مع غيره ممن خاض معارك أدبية وفكرية تاريخًا للصراعات النقدية في صحافة ما بعد العهد العثماني، فكانت سجلًا حافلًا بالسجالات التي يستنبط منها الدارسون والأدباء والعلماء لوحات نقدية عن اصطراع العقول والثقافات والبيئات، في حقبةٍ بدأ فيها العراق يتنفس بعض حريته ويشكّل ذاته بذاته، ليعود إلى الصدارة كما هو شأنه عبر التاريخ، فأصبح منذ هذه النهضة مؤثِّرًا قويًّا في المنطقة، وفي الأجيال التالية. ولو جُمعَت معارك الأثري وحده في عشريناته وثلاثيناته، لجاءت في سِفْرٍ جَليل في النقد، ونقد النقد، وفي الجدل الأدبي والفكري والأخلاقي.

وأجدني في هذا المقام أردد مع حميد المطبعي لومه على المؤرِّخين، الذين كان حريًّا بهم أن يُظهروا هذه اللوحات، وأن ينقلوها إلى كتاب مفرد، لينهل منه الدارسون، فيعالجوا الأثر الذي تركته هذه المساجلات على حياة مجتمعنا العراقي والمجتمعات المتصلة به.

إن هذه المعارك النقدية قد ذاب أكثرها في أعمدة الصحافة، وضاع جوهرها الاجتماعي عنا، وتاهت البدايات النقدية علينا، التي “كان من الممكن لو جُمعَت وهُذِّبت وحُقِّقت أن تكون المقدمات الأساسية للنقد الأدبي الذي يَبحَث اليوم عن جذرٍ له، فلم يجده إلا في وادي التيه” -كما عبَّر حميد المطبعي-.

وهذه المقالة ليست هي جواب هذا الطلب، وليس فيها تحقيق هذه البُغية في جمْع معارك الأثري على الأقل، إنما هي صدى لذلك النداء الذي أطلقه المطبعي، يُعاد اليوم ويُكرَّر ليبقى يقرع الآذان، علَّه يومًا يصل إلى قلوب القادرين على فعله وتحقيقه.

ولذا فإنني اتخذتُ مرجعًا واحدًا لتحقيق هذه المهمة، وهو كتاب الأستاذ الأديب المؤرخ الفيلسوف المرحوم “حميد المطبعي” الذي خصصه لسيرة العلامة الأثري، ونشَرَه ضمن سلسلة موسوعته الجليلة: (موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين)، والذي صدر عن وزارة الثقافة العراقية عام (1988م)، وهو كتاب يمتاز بكونه حوارات بين الكاتب (المطبعي) وصاحب الترجمة (الأثري)، فهو أوثق وأوعب سيرة ذاتية للأثري، فقد صُنع على عينه، وقد عُني فيه المطبعي بتوثيق جوانب متعددة من معارك الأثري.

العلم والنقد:

وقبل البدء بسرد نماذج من معارك الأثري، تجدر الإشارة إلى أنَّ مَن يُمارس النقد لا يُشترَط فيه سنّ معيَّنة، ولا يُشترَط فيه أن يراعي في نقده أسنان الآخَرين؛ فها هو الأثري ابن العشرين عامًا يصارع الزهاوي ابن السبعين وهو من أساتذته في يوم ما، كما يتبارى مع الرصافي ابن الخمسين الذي يجلّه أيّما إجلال، ويقارع الزيات ابن الأربعين الذي صار بعدُ مِن خُلَّص أصدقائه…

لكن الشرط الأوحَد في النقد هوَ العِلْم، العِلْم فحسْب، ذلك أنَّ الناقد إذا انطلق من مجرَّد العِلْم فإنّ نقده وأسلوبه سيصطبغ تلقائيًا بالصبغة العلمية، التي لا حاجة لنا فيها إلى التملق، والتزلف، والتظاهر بالسماحة، وإذابة الحقّ الثابت في المسائل العلمية والقضايا الفكرية والمبادئ المنهجية، كما لا حاجة لنا فيها إلى البذاءة، والقحة، والجهر بالسوء من القول إلّا في مواضع الانتصار النفسي دون اعتداء، وهذه الحالة لا علاقة لها بالمعارك النقدية التي نحن بصدد الحديث عنها.

التأهّل العِلمي هو الذي يحدِّد إن كانت القضية تستحق شيئًا من الحزم والحدّة والصرامة، أو كانت تستدعي اللين والتلطّف والرخاوة، فبالعلم تَبرز الحكمة في مراعاة الأسلوب المناسب للتخاطُب، تلك الحكمة التي يُدرَك بها أحوال المخاطَبين، وظروف الخِطاب. وهي الحكمة نفسها التي أسكتت الأثري في أخريات حياته حينما لم يجد بدًّا من النأي عن المعارك النقدية، مع بقائه مصلحًا باذلًا لأمته ما تجود به نفسه العظيمة من علم وفكر وأدب، عَبر ميادين أخرى رآها صارت أجدر بالاهتمام وصرف الجهد، علاوةً على ظروفه الخاصة.

ولقد خاض العلامة محمد بهجة الأثري معارك عديدة منذ بدايات كتاباته العلمية وإنشاءاته الأدبية واهتماماته التاريخية ونظراته السياسية وقناعاته العقائدية، وسأختصر الحديث في هذه المقالة عن بعض معاركه الأدبية والفكرية، التي تصلح أن تبرُزَ مثالًا نستدلّ به على قيمة المطارحات التي كانت تجري في ميادين الصحافة العربية آنذاك، ونستدل به على النبوغ المبكر لهذا العلَم وحضوره بين عمالقة الأدب والفكر منذ أوائل شبابه، وبين يدَي شيوخه وأساتذته.

هَمُّ الإصلاح:

إنّ الدافع الأساس لجميع معارك الأثري هو دافع الإصلاح، فقد كان الأثري بفطرته يُعدُّ نفسه ليكون مصلحًا، حتى رُزق ذلك فصار مصلحًا اجتماعيًا، ومصلحًا أخلاقيًا، وكِلا هذَين الموضوعَين متَّصلَين بمجالات: الأدب والعلم والسياسة…

كان الأثري -كما روى عنه المطبعي- منذ فجره الأول يكتب أسئلة ويحاول الإجابة عنها:

مَن يُنقذ هذه الأمَّة؟

كيف غاب المصلحون ولم تغب روح الأمَّة؟

لماذا نتعلَّم علم الأخلاق ولا نطبّق شريعته في المجتمع؟

بل كان في المدرسة المرجانية الشهيرة ببغداد وهو جالس بين يدي شيخه علاء الدين الآلوسي في أثناء حديثٍ بينهما عن أوصاف الأثري التلميذ وشأنه في المستقبل، يسأل الأثريُّ أستاذَه:

  • هل العلم أداة تغيير؟
  • نعم.
  • إذن فلنبدأ بأنفسِنا.

ومن لحظتئذٍ عزم على أن يكون مصلحًا، في كل ما يدعو إلى الأفعال الإنسانية والحضارية النبيلة.

ومَن يستقرئ الأثريَّ في كتبه وفي أفكاره وفي أشعاره يجده يرتاد المقومات الأصيلة التي تجدد بنية الأمة وتحقق ذاتها بين الأمم القوية، وتعيد إليها -بعد طول الضياع- مجدَها العريق وعزَّتها وسيادَتها وشأنَها الرياديَّ العظيم في إنشاء الحضارة الإنسانية، وهذه المقومات التي يرتادها وينتحيها دائمًا، تتثمل في عناصر ثلاثة:

١- عنصر (اللغة) وهي لسان الأمة وجامعة الشمل وموحدته وموقدته.

۲- عنصر (العقيدة التوحيدية) وما تنطوي عليه من المُثُل العليا، وفي طليعتها: مکارم الاخلاق، والأخوة، والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات.

۳- عنصر (خصائص الأمة العظيمة) التي أُخرجت للناس معلِّمةً وهاديةً، وليست جابيةً أو مستغلِّةً ومستعلِيَة، فخرجت بهذه الرسالة العظمى من بين الرمال والصخور إلى أمم الأرض، وكانت قلة قليلة، لم يزد عدها على مئة ألف إنسان إلا قليلا، واستطاعت أن تبسط عقيدتها ما بين مشرقٍ للشمس ومَغيب، من بلاد الغال (فرنسا) إلى تخوم الصين خلال نحو ثلثي قرن، وأن تؤول في العالم أنبل حضارة إنسانية أخلاقية لا تزال هدف المفكِّرين الإنسانيين من جميع الأمم.

هذه هي محاور أفكار (الأثري) كما استقرأها حميد المطبعي، نجدها تفيض طموحًا وفكرًا سديدًا وسلوكًا مستقيمًا وعقيدة راسخة.

كان الأثري مطمئنًا إلى أنه يسلك السبيل الوحيد إلى التجديد والتطوير الحقيقي. ويقول: (نعم، أنا أعني التطوّر في الآراء والأفكار).

والتطور إلى الأعلى والأصلح والأنفع، هو هدف كل عالم مفكر مصلح، وهو غير التلاعب بالألفاظ وإكثار المَزاعم، وهو ذات التطور الذي يؤكد الأثري أنه: (يجب أن يكون من ضمير الأمة، ومن خاصّ طبيعتها وحاجتها في مختلف شؤون الحياة، بعيدًا عن الاجتلاب والتقليد تنفُّخًا باسْم الانفتاح والمعاصرة).

ومع هذا فإنَّ مِن الناس مَن يتّهم الأثري بالتعصب، فيردُّ عليهم بقوله: (نعم، أنا متعصب حقًّا عن بصيرةٍ وعلمٍ، ولكن للحق، وللخير، ولمقومات الأمة، وكلّ ما يعزّ الوطن وسيادته وكرامته، وما يسعد كلّ إنسان فيه حيثما عاش من أرضه الطيبة).

لهذا فإنّ الأثري لمَّا كتَب وتصدَّى لشعراء كبار أو مفكرين كبار، وناقش مقولاتهم ونظريّاتهم، كان يريد أن يصحح المفاهيم والدعوات النظرية بوعي المصلح الاجتماعيّ، لا بوعي الناقد الحِرَفيّ، فقد كان يبني نقده على منهج قائم على مبدأ الإصلاح، وكان الأثري إذا نقدَ يفتح معركة يُدخل فيها الخصوم والأصدقاء، ويجعلهم يتصادمون ويتناقضون، وتكون نتائج هذا التصادم هي الثمرة الروحية التي هي مبتغى الأثري، وتلك هي التي تُلبِّي غرائز المصلح مذ قام للمصلح تاريخٌ للنقد، وتكون المعركة التي يمهد الأثري لها في نقده هي معركة موازين، ليس فيها إلا قوّة العقل حينما يكون لهذا العقل عامل الإثبات القاطع والاحتجاج الصادق، وقوة القلب حينما يتنزه هذا القلب عن الضغائن والأحقاد وآفات الذات القاتلة؛ فمعاركه تُدار بأدبه الرفيع، بلسانٍ لا يخدش لسانًا آخر، وبمَوجةٍ من العواطف لا تورث إحساسًا بالدونية الآدمية، وبعينٍ بصيرة تعطي الحقَّ أو تأخذه، كما يراد للحق أن يعطى بحق، أو كما يراد للحق أن يؤخذ بحق، هو إحساس رفيع، كان العرب القدامى من نقّادنا يسمونه (أدب المناظرة)، يتقابل فيه اثنان على قدر من الحجج العالية، وعلى قدر من الأبهة والعظمة والكبرياء، ولذلك نرى الأثري لا ينقد إلا أديبًا بقدره، ولا يشتبك إلا مع مَن صار اسمه تاريخًا أو منهجًا لجمهورٍ، أو جمهرةٍ، أو فئةٍ من مجتمَع القرّاء.

مع الزهاوي:

كان الأثري في الحادية والعشرين من عمره وكان حديث عهد بالدراسات العربية، حين نازلَ الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي ونقدَ شِعرَه ورُؤاه.

لقد كان أول اتصال للأثري بالزهاوي في بداية عهد الاحتلال البريطاني لبغداد، وهو يافع، راه اول مرة في الدورة التعليمية التي استُحدثت لتخريج معلمين للمدارس الابتدائية، وكان الأثري قد دخلها مستمعًا لا يريد التوظف، فحضَر بعض دروس الزهاوي، فوجده يلقي على الطلاب مختارات من الشعر العربي بطريقته الخاصة من التفخيم والمطّ ورفع الصوت، مع القهقهة أحيانًا، ورنوّ عينيه من وراء النظّارة إلى الطلاب وقتًا ما، إظهارًا لاستحسانه الشعر الذي يتلوه عليهم، وقلّما وجده الأثري فسَّر شيئًا من غوامض ألفاظ هذا الشعر ومعانيه، ثم انصرف عنه ولم يعد إليه، ولا يَعرف سببًا لذلك.

وسألَ الأثريُّ والده عن الزهاوي، فاختصرَ له حياته بأنّه من أسرة عراقية محترمة، فيها رجال علم ودين ورجال أدب وشعر. ومِن أبنائها مَن برزوا بالإدارة ونالوا الدرجة الرفيعة في الدولة، وأثنى على والِد الزهاوي: الشيخ محمد فيضي أفندي الذي وَليَ إفتاء بغداد بعد شیخهِ الإمام المفسِّر أبي الثناء محمود شهاب الدين الآلوسي، كما أثنى على مَن عَرف من أبنائه، وذكَر منهم صديقه صالح أفندي، والذي أصبح ابنه الشاعر إبراهیم أدهم الزهاوي صديقًا للأثري من بعد، فقد كات تربه في السنّ، وقد عرف عن هذا الشاعر تقديسه للحق، ومن منطلقه هذا أخذ يفنّد کتاب عمه جميل صدقي الزهاوي: (المجمل مما أرى) في سلسلة مقالاتٍ نشرها في الصحف البغدادية أيام أخذ الأثريّ نفسَه بالانتصار لأحمد شوقي، وانتصب لتفنيد نقد الزهاوي لبعض شعره.

ودام اللقاء والنقاش بين الأثري والزهاوي بضع سنين، ثم تصافيا بعد لأيٍ، وأهدى الزهاوي مجموعة دواوينه إلى الأثري، وصار الأثري يلقى الزهاوي على الدوام في المكتبة العربية لصاحبها الحاج نعمان الأعظمي، وكانت ملتقى الشعراء والمتأدبين، ثم في مجلس الدفتري أيام الجمعات.

وقد تحدث الأثري عن طبيعة الزهاوي بشيء من النقد قائلًا:

“وجدته حفيًّا بنفسه ومعتدًّا بها وبشعره وفلسفته، يتحدث عنها في شبه حالة طفولية، ويغمز في أثناء أحاديثه الشعراء الكبار، كأنه يقول: أنا وحدي فارس الحلبة وسباقها، وشاعر العصر، وقريع أهل الأوان. ويُحب أن يُذكر دائمًا، فكان في كل يوم ينظم بيتين كيفما اتفقا له، وتنشرهما له جريدة العراق في مكانٍ عالٍ من الصفحة الأولى على حين كان الرصافي على النقيض”. فقد ذكرَ الأثري أن الرصافي لم يعتد بنفسه في مجالس الأدب، ولا كان يروي شيئًا من شعره في هذه المجالس، وإن لحظ ذلك في أشعاره وهو يفخر بنفسه وبشعره فذلك شيء طبيعي قلّما سَلِم منه شاعر في زماننا ومنهم على وجه التخصيص أحمد شوقي وعبدالمحسن الكاظمي، وهما من عصر الرصافي والزهاوي.

وللأثري عدة مواقف أدبية نقدية خاضها مع الزهاوي، منها: أن إسماعيل صبري باشا -الشاعر المصري- كان قد توفي في آذار ۱۹۲۳م، وآلمت وفاتُه صديقَه وصفيَّه وعشيرَه أميرَ الشعراء أحمد شوقي، فرثاه رثاءً حارًّا في قصيدة فائية من الشعر العذب، فسارت القصيدة في البلاد العربية مسير الشمس، ونشرتها الصحف العربية ومنها صحف العراق، فاستبدّت بإعجاب الناس كعادتهم في الإعجاب بشعر هذا الشاعر العظيم في تلك الحقبة، إلا أن الشاعر جمیل صدقي الزهاوي -كما يقول الأثري- أبت عليه منافسته إلا أن يحاول إسقاطها من أعين الناس، مع أنه من المعجبين بها كذلك في باطنه، فنشر في جريدة العراق أربع مقالات في نقدها نقدًا نحويًّا ولغويًّا بتوقيع (ناقد!).

وسرعان ما اكتشف الأثري أن هذا الناقد هو الشاعر الزهاوي، وأيد الواقعُ أنه هو لا غيره، ثمّ قفّى على ذلك فنشرَ باسمه الصريح قصيدة على وزن قصيدة أحمد شوقي ورويها في رثاء إسماعيل صبري باشا هذا، على سبيل المباراة!

يقول فيها الأثري: “إنها دون قصيدة شوقي بمراحل، وفي حسبانه أنه جلّى عليه وتقدّمه، ولن تكون النائحة المستأجرة كالثكلى”. ويؤيّد الأثري في هذا كثير من معاصريه.

قرأ الأثري مقالات الزهاوي الأربع، فوجد العلم والإنصاف قد جانبا كاتبها، وكان من المعجبين بروائع أحمد شوقي، فدفعه حب الحقيقة في شوقي إلى أن يفند هذا النقد الذي كتبه الزهاوي، دفاعًا عن الشعر الجميل وانتصافا لصاحبه من ظالمه والمفتئت عليه.

ودفع الأثري نقده إلى جريدة العراق نفسها، فنشرته في سلسلة متتابعة، أزعجت الزهاوي، فاستنصر على الأثري أحدَ أصحابه، فاندفع هذا -ولم يرغب الأثري في ذكر اسمه لأدبه الجم- يكتب في صخب، حتى زعم في محاولة منه لهزيمة الأثري وخذلانه أنّ ما يكتبه الأثري إنما هو من إملاء أستاذه محمود شكري الآلوسي، يقول الأثري: “فما زادني افتراؤه إلا ثقة بنفسي”.

ثم يقول الأثري: “كان الزهاوي قد نشر فائيته الركيكة تلك، فانكفأت عليها بالتحليل والنقد وأبلغت النكاية به”، فثقل الأمر على الزهاوي، فتحامَل على نفسه إلى صاحب الجريدة بِحَجْب هذه السلسلة عن القرّاء، فرجا رزّوق غنّام من الأثري أن يرحم شيخوخة الزهاوي، فيقف في نقده حيث انتهى؛ فلم يجبه، وخرج بالصمت عن لا ونعم، وتابع الرد عليه في صحيفة العاصمة من الصحف السياسية اليومية، فوسّعت صدرها لما يكتبه الأثري، وطفقت تنشر له ما يكتبه في مناقضة الزهاوي تحت عنوان: (بين أديبين) قطعًا قصارًا؛ فاستشاط الزهاوي من هذا العنوان، اذ كان في نحو السبعين من عمره وقد ذاع صيته، فكيف يقارن بطالب ناشئ في الحادية والعشرين من العمر؟!

وقد بلغت مقالات الأثري في جريدتي العراق والعاصمة نحو ۲۹ مقالة، فيها نبرة الحماسة والكبرياء، وفيها تنبأ الأثري بمستقبله، وفيها مهّد لأن يدخل الحلبة بجدارة اللقب.

 

وأما الموقف الثاني الذي اشتبك فيه الأثري مع الزهاوي، فهو نقده اقتراح الزهاوي تجريد القصائد من التزام القافية، أو ما أسموه بـ(الشعر المرسل). والقافية عند الأثري هي رنين الإيقاع في الفن الشعري. وحُجة الزهاوي في اقتراحه، أنّ القافية قيد يكبّل الشاعر عن الانطلاق، وكانت حجة الأثري أن آلافًا وآلافًا من الشعراء العرب ملؤوا الدنيا منذ مئات من السنين بآلاف لا تحصى من القصائد الطوال الرنانة التزموا فيها هذه القوافي التي هي رنين الإيقاع الذي ينتهي عنده البيت الشعري، فما قيّدتهم عن الانطلاق ولا شَكَوا منه ضيقًا ولا حرجًا. ثم حجة الأثري أن الزهاوي نفسه عاش عمره ينظم المقطوعات والمطولات المقفاة، ولم يكن بها ضيّقًا ولا عاجزًا.

وقد أرفق الزهاوي اقتراحه هذا بقصيدة (مرسَلة)، وهي في رأي الأثري: “باردة ما لبث الزهاوي نفسه أن ارتدّ عنها، شعورًا منه بتفاهتها”. ونشر الزهاوي رأيه في صدر صحيفة المفيد لصاحبها الكاتب السياسي إبراهيم حلمي العمر، وقد طلب العمر من الأثري أن يبعث برأيه إليه في هذه المسألة، فكتب إليه الأثري، ومما كتبه قوله: “إن الشعر فن صعب، لا يقوى عليه إلا من رزقوا الحس الشعري المرهف، وملكوا آلته وأداته من اللغة الواسعة ومَلَكة البيان… وهو ككل الفنون له ضوابط تحكمه، منها القافية التي يراد التخلص منها، وهذه القيود أو الضوابط التي ميزت هذا الضرب من الكلام المتميز، والتي لا يقوى عليها الضعفاء في حبك الشعر أربعة أركان لا بد من توافرها في وقتٍ معًا، وهي: اللغة السليمة الصافية، والمعنى الكريم في الخيال الرفيع، والوزن الذي هو إيقاعٌ نفسيٌّ داخليٌّ يتنوّع بتنوّع الإحساس، والقافية التي هي رنين هذا الإيقاع الذي ينتهي بانتهاء البيت، أمّا اللفظ فهو جسم روحه المعنى، وارتباطه به ارتباط الروح بالجسم، فإذا اعتور أحدهما أقل اختلال، اختلّا كلاهما وخرّا صريعَين، وأما الوزن فهو أعظم أركان الشعر، وهو يستدعي القافية ويجلبها ضرورةً، وليست القافية بالجالبة للمعنى، ولا المعنى بتابع للقافية كما يتوهَّم. فإذا عَري الكلام من أحد هذه الأركان المتلازمة، فلا يُعدّ من الشعر، ولا يكون له أقل وقْع في النفوس، وإن كابر المكابرون، وركبوا رؤوسهم في المماراة”.

لكن هل سكتَ الزهاوي عن هذا الذي كتبه الأثري؟ وهل انقطع عن كتابة الشعر المرسل؟ يقول الأثري: “ولم يُثَنِّ الزهاوي على واحدَتِه الّتي قدّمها نموذجًا خديجًا، وسكتَ إلى أن مات”.

ولكنني أرى -كما رأى حميد المطبعي من قبل- أنّ الزهاوي أو غيره من جيله أو من أجيال ماضية أو أجيال آتية لهم الحق في ابتكار ما يرون من شكلية شعرية تنسجم وأذواقهم وقوانينهم المرحلية، فإن نجحوا، فهو خير لتجربة الشعر العربي، وإن أخفقوا فهي تجربة، المهم أن يبقى الشعراء يدافعون عن حرياتهم الإبداعية. ولستُ في هذا القول مدافعًا عن الزهاوي وتجربته البتراء ودوافعه الغامضة.

وحدث موقف ثالث بين الأثري والزهاوي في سنة ۱۹۲۷م حول مرثية الزهاوي للزعيم السياسي المصري المشهور سعد زغلول وهي من 14 مقطوعة، في كل مقطوعة سبعة أبيات على قافية غير قافية أخواتها، كان الزهاوي أنشدها في حفل التأبين الذي أقيم له ببغداد بعد أربعين يومًا مرّت على وفاته، ونشرتها له بعض الصحف اليومية. وقد وجد الأثري في هذه المرثية من عيوب الصناعة والفن ما يبتدئ بابتدائها ولا ينتهي إلا بانتهائها -على حد قوله-، فكتب في تحليلها مقالًا ونشره في جريدة العالَم العرَبي في ۲۲-11-۱۹۲۷م، ومما قاله في تحليله الذي أقام فيه الزهاوي وأقعده:

“قال الزهاوي في مطلع مرثيته:

مات سعدٌ، فما عسى أن تقولا… فيه حتى تهز جمعًا حفيلا؟

فقد نعى فيه سعدًا إلى الناس بعد أربعين يومًا مضت على وفاته! ولم يَبق مَن لم يبلغه نعيه ولو كان في مطلع الشمس أو مغربها، اللهم إلا مَن كان لا صِلة له بهذا العالَم… ثم اضطرب وتحيّر، لا يدري ماذا يقول فيه، فرضي لنفسه أن يصفها بالعجز والعيّ. ثم ذكر في الشطر الثاني أنّ غايته من رثاء سعد هي أن يهزّ الجمع الحفيل الذي يحتفل بتأبينه لا أن يقوم بواجب الوطنية، وهذا كما ترى في منتهی السخف، وفيه من البرودة والفتور ما أربی بهما على بيت أبي العتاهية المضروب به المثل في البرودة، وهو قوله:

مات الخليفة أيها الثقلانِ… فكأنني أفطرت في رمضانِ!

وليته إذ وقع في هذه العيوب المعنوية سلِم من عيب آخَر فنّيّ يُسمّى التصريع المعلَّق؛ فإن البُلغاء يستحسنون أن يكون كل مصراع في التصريع مستقلًّا بنفسه في فهم معناه، غیر محتاج إلى صاحبه الذي يليه، مع ذكر فاصلة بينهما دالة على انقطاعه عنه، ويستقبحون أن يكون على صفة بيت الشيخ الزهاوي معلّقًا فيه المصراع الثاني بالأول. وهو بعد كل هذا معجب كل الإعجاب بهذا المطلع، أو بالأحرى بالنعي الذي في أوله (مات سعد)، حتى لقد أعاده على المسامع سبع مرّات بلا انقطاع! كأن الناس صم لا يسمعون، أو كأنهم لم يبلغهم نعيه قبل أربعين يومًا من إنشاده هذه “المنظومة”، بل لقد عاد في المقطوعة الثانية فقال في أولها:

جعت مصر بالزعيم الجليل… بابي الشعب كله زغلولِ

وعاد في الثالثة فقال:

فوجئت مصر بالنعي، فكادت… أرضها من هول المصاب تمورُ

وفي الخامسة مرتين:

بين سعد ومصر جد الفراقُ… ليس هذا الفراق مما يطاقُ

مات سعد ولم يمت ذكر سعدٍ… فهو باق له القلوب رواقُ

وفي العاشرة:

استراح الرئيس بعد العراكِ…بعد ضرب صعب وطعن دراكِ

فكأنّ الرجل أصبح ناعية ينعي إلى الناس الأموات بالأُجرة. وقد سمع أن الشاعر في الجاهلية كان إعلانًا لقبيلته، فأحبّ هو أن يكون ناعية لأموات أمّته!

وقال بعد ذلك البيت:

بالرئيس الهمام بالمنقذ الأكـ…بر للشعب في الزمان الوبيلِ

ثم ناقضه فقال:

ما بلغت المني لمصر ولكن…كنت تمشي على سواء السبيلِ

وكرره أيضًا فقال:

أنت حررت مصر إلا قليلا…آه لو تم ذلك التحرير!

ثم أعاده للمرة الثالثة فقال:

عاقك الموت أن تحقق وعدكْ…غير نزرٍ، وكنت تبذل جهدكْ

فعلى هذا أنّ سعدًا لم ينقذ مصر بعد، بل لم يبلغ المنى لها؛ فأي المعنيين أحق بالاعتبار في نظر الناظم؟ وما وجه الإعجاب بهذا المعنى وإعادته ثلاث مرات؟”.

إلى آخر النقد الذي عرّى فيه الأثري مرثية الزهاوي، ليس في شعر المرثية فحسب، وإنما في فكر الزهاوي في هذه المرثية، سیاسیًّا واجتماعيًّا أيضًا.

ومن يقرأ تلك الصحافة يومئذٍ يجد معركة الأدباء حامية الوطيس، فيما بينهم وفيما بين أفكارهم، معركة ترتقي إلى مستوى تثبيت القيم النقدية، في كل شيء من هذه القيم، وفي كل شيء من هذه المبادئ التي تحرّض على الوعي الأخلاقي، ولا ريب في أنّ الأثري كان عنوانًا كبيرًا في هذه المعركة، لا يبالي بشيءٍ من قانون وضعي، ولا يثأر، ولا يُبغض ناقدَه أو منقودَه.

مع الرصافي:

من الرواد الذين تصدى لهم الأثري: الشاعرُ الكبير معروف الرصافي، حيث عنّفه بمقالة أو قصيدة أو حديث مجلس، وحيث أثار عليه قوم المَجالس الأدبية. لكن ما حقيقة قصة الصراع بين الأثري والرصافي؟ وكيف بدأت الفتنة بينهما؟

قبل أن نعرض لهذا الصراع يحسن أن نعود إلى بداية العلاقة بينهما؛ فأول صلة الأثري الأدبية بالشاعر معروف الرصافي نشأت عن طريق السمعة، فمنذ كان الأثري طالبًا في المدرسة السلطانية، آخر العهد العثماني، حَفِظ هو وطلاب السلطانية نشيدًا من شعره كانوا يرتلونه کلّ صباح، وما زال يتذكر منه قوله:

نحن خوّاضو غمار الموت كشافو المحنْ * ما لنا غير اكتساء العز أو لبس الكفن

وظلّ اسم الرصافي عالقًا في ذهن الأثري يتابع إنجازاته الأدبية، ولا سيما بعد أن علِمَ أنه خريج شيخه محمود شكري الآلوسي قديمًا.

ثم لمّا عاد الرصافي إلى وطنه سارعَ الأثري إلى التقرب منه والاحتفاء به، وكتب قصيدة في مدحه، ولكنه لم يستطع إنشادها في يوم تكريمه، بسبب ما كان من جفوة بين الرصافي وأستاذهما الآلوسي، فآثر المحافظة على علاقته بأستاذه، فعَلِمَ الرصافي بالمر بعد ذلك، فقدّر شعورَه نحوه، وحرصه على علاقته بأستاذ الطرفين.

وفي وصف الرصافي يقول الأثري: “والحق أنّ الرصافي كان مع عنجهيّته سليم الطويّة، قلّما يحقد على إنسان، إلا من خصلتين: أن ينال من شاعريّته، وأن ينال من دينه فيرمى بالكفر والزندقة”.

ثم حدثت المعركة بين الرصافي والأثري أول العهد في تعارف الأثري والرصافي أيام كانت تصدر باسْم الرصافي جريدة الأمل، وكان القوّام الحقيقي بكتاباتها إبراهيم حلمي العمر، وقد عاشت ثلاثة أشهر ثم احتجبت. وكان الأثري إلى هذا التاريخ سِلْمًا مع الرصافي، يقدّر شاعريته وبلاغة شعره. وإذ بالرصافي يرسل في قضية الحجاب كلامًا يراه الأثري مجافيًا للحقيقة والصواب، أثار علیه أناسًا، ولكنهم لم يسلكوا معه سبيل الحوار، فكفّره بعضهم، وشتمه بعض آخر، ووقف منه الأثري الموقف الذي يستدعيه منطق المحاورة العلمية، فكتب في المسألة مقالًا مسهبًا، وناقشه فيه نقاشًا معزّزًا بأدلة كما تقتضيها المحاورة العلمية، وبعثَ به إلى جريدة الاستقلال، فرحبت به وقدّرته فنشرته في موضع الافتتاحية؛ فبادر الرصافي فنشر في اليوم الثاني في جريدته كلمةً بدأها بما يشي بغضَبه، ولكنه لم ينسَ في سَورة هذا الغضب أن يشيد بالأثري، ويذكر: لُحمة الأدب الّتي تجمع بينهما، وما يتوقعه له من مستقبل زاهر. ومما قاله في هذه الكلمة أيضًا: “إن البحث في هذه القضية الحجاب والسفور قد أصبح مفروغًا منه، ولم بيقَ في قوس الجدال فيها منزع”.

ولم يقتنع الأثري بهذا الرد، ويعلق عليه في حينها، ولكنه قال بعد مضي تلك الحقبة: “إن الرصافي كان مرهف الحس، وعاطفته أغلب عليه من عقله، ولو تساوَيا عنده في القوة وتوازَنا لكان رجلًا آخر أكبر شأنًا ومنزلة. وكان في أحيانٍ كثيرة ينطق عن الهوى، ولذلك ندّت منه شطحات جانبت السداد وحكمة العقل”.

ويورد الأثري أمثلة عديدة في جدله مع الرصافي، فمرة نشر الرصافي مقطوعة في قضية المرأة، قال في مطلعها:

لم أرَ في الأقوام من مَظلمَه… أحق بالرحمة من مسلمَه

مظلومة حتى بميراثها… محجوبة حتى عن المكرمَه

فتصدى له (الأثري) قائلًا: “أصحيح هذا الذي بزعمه الرصافي من حال المرأة في التشريع الإسلامي، وهو الذي كرّمها وأعزّها وأغلاها وأعلى شأنها، وجعلها القهرمانة وعماد البيت والأسرة، وصنو الرجل في الحقوق والواجبات؟”.

وفي مكان آخر يقول الأثري: “والرصافي يعلم حق العلم أن السيدة والدته، التي أقضّ فراقه لها مضجعَه، فأرسل إليها حنينه في بعض شعره الجميل، أنّها كانت تسعد من أبيه بكثير من التوقير والتبجيل كما كانت أمهاتنا وجميع نسائنا يلقين مثل ذلك من آبائنا في كل مکان وزمان، وهنّ مرعيّات ومكفولات على خير وجوه الكفالة، وكانت أمه من الصالحات كما ذكر لي أستاذه وأستاذي، ولعلها هي التي ألهمته من كرامتها على زوجها أن يقول في شبابه قصيدته الخالدة:

هي الأخلاق تنبت كالنباتِ… إذا سقيت بماء المكرماتِ

تقوم إذا تعتهدها المربّي… على ساق الفضيلة مثمراتِ

فأين ظلت دعواه من هذه الحقيقة في التربية العربية الإسلامية؟ إنه الهوى”.

ويذهب الأثري إلى أن منطلقه إلى نقد الرصافي لم يكن منطلقًا شخصيًّا، والرصافي قدْ بَلا ذلك من أخلاقه، ودفاعه كان دفاع العقل، فلا داعي للتقاطع والجفاء إن كان النقد نقد مبادئ، وهنا يستشهد بقول أحمد شوقي:

في الرأي تضطغن العقو = لُ وليس تضطغن الصدورُ

مع الزيات:

جاء أحمد حسن الزيات إلى العراق سنة ۱۹۲۹م، عقب رحلة الأثري مع الوفد الذي أوفده رئيس الوزراء في العهد الملكي ياسين الهاشمي، فاستقدموا بعض الأساتذة من مصر إلى العراق، كان من بينهم الزيات، فدرّس في دار المعلمين العالية، وسرعان ما انتشر صوته وقلمه في صحافة العراق، فكتب القصص المثيرة، ونظم التعليقات التاريخية في مشاهير المؤرخين، وعقد الصلات مع رواد اليقظة الفكرية كطه الراوي، والزهاوي، والرصافي، والبصير، والشبيبي، وجلّ هؤلاء كان يحترم الزيات، لصناعته في الأسلوب البلاغي، ولأهمية قلمه في حركة النهضة الثقافية في الوطن العربي.

وفي كانون الثاني ۱۹۳۰م كتب الزيات قصة تحت عنوان: “مأساة الشاعر وضّاح اليمن” ونشرَها في جريدة البلاد، فكان لهذه القصة وقع وصدى في منتديات الأدب والتاريخ في بغداد، وشغلت الأذهان، وعلّق عليها أساتذة وأكاديميون وباحثون، وبعضهم تصدى لهذه القصة، ففند فيها الحوادث، بل نفوا هذا الشاعر (وضاحًا) من الوجود، وكان في مقدمة الرادّين عليه العلامة محمد بهجة الأثري.

والقصة تدور حول دعوى علاقة شاعر يماني اسمه وضاح اليمن، بزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي امتدت في زمنه حدود الدولة العربية إلى بلاد الهند فتركستان فأطراف الصين، وقتل الخليفة له حين بلغه نبأ ذلك. وتزعم القصة أن زوجة الخليفة كانت تعشق وضاحًا، وتجتمع به على غفلة منه تطارحه الغزل ثم يطرفها الخليفة بجوهر نفيس يحمله إليها خادم له ومعه كلمة رقيقة؛ فيمضي الخادم إليها، فلم يجدها، ثم يعلم أنها في بعض غرف القصر، فيدخل عليها فجأة، فتحسّ بخطاه دون الباب، فتبادر إلى إخفاء وضاح فتدخله في صندوق وتغلقه، وحينئذٍ يدخل الخادم فیری أواخر جسم وضاح تغيب تحت الغطاء، فيؤدي إلى الملكة الرسالة ويدفع إليها الجوهر ثم يستوهبها بلهجة الخبيث الماكر حجرًا من هذا الجرهر، فتمتعض منه، فيتواری؛ فيرتد إلى سيده الخليفة بجلية الأمر، فيأمر سیده به فتُوجأ عنقه، ثم يَلبس نعليه، ويدخل على زوجته فيجدها جالسة تمتشط في تلك الغرفة، فيجلس على ذلك الصندوق، وما يزال بها حتى يأخذه منها، ثم يأمر أن تُحفر بئر، فيقذف الصندوق فيها، وهو يقول: “إنه بلغنا شيء إن كان حقًا فقد كفّنّاك ودفنّا ذِكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وان كان باطلًا فقد دفنّا الخشب، وما أهون ذلك”!

وكان لقصة الزيات هذه -كما يقول الدكتور محمد رجب بيومي- بعد حين في مجلة الثقافة المصرية، رنين في بلاد الرافدين، وكان الأستاذ الكبير محمد بهجة الأثري أحد الذين عارضوه، فقد ابتدأ نقده بإطراء رائع لبلاغة الزيات، وثناء مستطاب على بيانه، ثم عمد إلى اللباب فاستكثر على مثل الزيات أن يصدّق أراجيف الشعوبيين، وناقش رواة الحادث مناقشة من يراهم موضع الاتهام. ولكن أبلغ ما تَهَدّى إليه الأثري في نقده هو ما وُفق إليه من دفاع منطقي محكَم لا سبيل إلى نقضه نقضًا عقليًا.

وقد ردَّ الزيات على نقد الأثري فقال: “ولعلك أخذت عليّ ما أخذت لأنك حسبتني كتبتُ ترجمة تاريخية، أو حرّرت حادثة واقعية، ولم يدُر في خلَدي حين قصصت نبأ هذا الشاعر البائس إلا أنّ أصوّر الحياة البدوية والبيئة العربية في أقاصيص أنتزعها من الأساطير أو مما يشبه الأساطير، فأنا في هذه القصة، وفي ما نشرتُ من أمثالها، قَصصيٌّ لا مؤرِّخ، وبين القصص والتاريخ رحم جذّاء، وعداوة مستحكمة، لأن التاريخ يروي ولا يبتدع، ويحقق ولا ينسّق، ويصدق ولا يمين. أما القصة فإنها تختلق وتبالغ، وتؤثر بالصور الكلامية الخلابة، ثم ترتب الأحوال وتسوق الحوادث على حسب الخيال الممكن لا على حسب الأمر الواقع”.

ثم عقّب الأثري بمقالة أخرى، كلّها كانت دفاعًا عن آرائه، فقال: “إن الحق الذي لا مرية فيه هو أن كثيرًا مما نجده في (الأغاني) وأشباه (الأغاني) من كتب الرواية والنقل، إنما هو سمَر وقصَص مكذوب منتحل، وليس مما يسوغ في دين العلم والنقد أن ينتزع من الأساطير المرقشة أقاصيص يراد منها تمثيل حال الأمة الروحية والخلقية، لأن الكذب الذي يوضع للهدم لا يمثّل الواقع الذي يقرّره العلم”.

وقد سكت الزيات فلم يعقب، وتلك المساجلات التي دارت بين الأثري والزيات جمعت وطبعت في بغداد سنة ۱۹۳۰م، في كتاب ذاع صيته في أقطار العرب.

وأعجب العلامة محمد كرد علي -رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق ومؤسسه- بهذه الحجج العقلية التي حققها الأثري في هذا الكتاب، فأنشأ كلمةً طريفة في تقريظ الردّ والثناء عليه، وبعث به إلى الزيات في القاهرة لينشره في مجلته الرسالة، فأغفله الزيات وأهمله، فكبر ذلك على العلامة محمد کرد علي، ووجد في صنيعه هذا مجافاةً لروح النقد والعلم، فكان ذلك بداية التجافي بينهما.

ثم كتب كثيرون ينتصرون للأثري ويدافعون عن معركته، وعلى الرغم من حدة أوار هذه المعركة، ظلّت العلاقات الروحية والفكرية تزدهر بين الأثري والزيات، ولا سيّما وقد أخذ الزيات ينشر للأثري قصائده في صدر مجلته الرسالة. ثم مما كان بعد من حوارهما في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، كل سنة، حوارًا ينمّ عن ألفةٍ ومودةٍ عميقةٍ وتبادلٍ في الأفكار.

مع الصحافة العربية:

خرج الأثري من السجن في أواسط الأربعينات، جيث سجن على خلفية الدعوة إلى تحرير العراق من المحتل مع عدد من أحرار الفكر والأدب والسياسة. خرج الأثري وكلّه محاضرة في استمرار المواقف المبدئية، بل زادها روحًا وثّابة في التحدّي، فأينما كان يحلّ ركبه نراه يحاضر في الوثبة الفكرية، وآيًّا كانت سمات محاضرته أو عنوانها، فإنه كان يمجّد حرية التجديد، مع أنه الأثريّ الذي ينزع إلى الأصالة واتباع آثار السلف الصالحين، وهذا لا يناقض التجديد في الحقيقة، لأن الدعوة إلى التجديد هي بحدّ ذاتها منهجٌ أثريٌّ، منهجٌ ربّانيٌّ إنسانيٌّ.

وفي محاضرة للأثري حاضَرَ بها في الجامعة الأمريكية ببيروت، سنة ۱۹5۱م، كان ممثلًا للعراق في هذا المؤتمر الذي عقدته الجامعة الأمريكية تحت عنوان: (مؤتمر الدراسات العربية)، كان عنوان محاضرة الأثري: (الاتجاهات الحديثة في الإسلام) أصدرَها لاحقًا في كتاب بالعنوان نفسه.

وتدور محاضرة الأثري حول الأفكار التي ظهرت في القرنين الأخيرين في بقاع العالم الإسلامي من الساحل الأطلسي الى أرخبيل الملايو والصين. وقد أدى ذلك بأمانة وحرية وصدق، كما جاء على لسان الصحافة العربية آنئذٍ، فقد أشادت بالأثري ممثل مدرسة بغداد التراثية. على الرغم مما أَخذت عليه بعض الأقلام الصحفيّة، أن الأثري جاء بأفكار متمّمة لما جاء به جمال الدين الأفغاني أيام السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. وعند عودة الأثري إلى بغداد قُوبل بالتحية من صحافة القِطر لما أبداه من تحدٍّ في الموقف المبدئي الذي أرادت الجامعة الأمريكية أن تشوِّهه وتضلِّله، وتجعل موقفها هو السائد في المؤتمر، وقد سألَ محرر جريدة الزمان العراقية العلامةَ الأثريَّ عمَّا نسبتْهُ بعضُ الصحف اللبنانية إليه من قيامه في ذلك المؤتمر بالدعوة إلى ترويج المبادئ الّتي دعا إليها الأفغاني، وعن اتهام صحيفة أخرى له بالترويج لبعض الآراء الأخَر، فأجاب: “إن هذا كان مثار استغرابي، لأن موضوعي كان موضوعًا تاريخيًّا خالِصًا، سجَّلتُ فيه الأفكار الإصلاحية والاتجاهات الجديدة في العالم الإسلامي الّتي ظهرت في القرنين الأخيرَين، لم أجعل منه موضوعًا للدعاية لأيّة فكرة، وإن كنت أبدو متحمِّسًا للإصلاح والتجديد والانبعاث. وليس من طبيعة البحث في مؤتمر علميٍّ بحْت أن يكون ميدانًا لما أرادتْ بعضُ هذه الصحف أن تنسبه إلى أغراضٍ قَصدَتْ إثارتَها على حِسابي”.

وقد كان من شهود هذا المؤتمر من كُتّاب مصر وغيرها: الكاتب المشهور أنور الجنديّ، فأشارَ -في مقاله عن الأثريّ- إلى محاضرته هذه ومبلغ صراحته فيها؛ فقال: “هذا واحد من هذه المجموعة الّتي قاومَتْ الغزوَ الفكريّ والتغريبَ والشعوبيةَ دون توقُّف في حملاتها الضارية على اللّغة العربية والتاريخ الاسلامي والأدب العربي.. فإذا أردتُ أن أستحضرَهُ أمامي في كلماتٍ، قلتُ: الرجل الشجاع الذي دعته إحدى الدوائر الأجنبية للكلام، فلمّا ذهب إلى هناك، قال لهم كل شيء دون تهُّيب أو مجاملة، وتركَهم فاغِري الأفواه! هذا مفتاح شخصيته: كلمة الحق يقولها دون أن يخشی شيئًا”.

هذا هو مثال العالِم الحق، بل مثال كل مصلح مخلص واعٍ يحمل همّ أمّته.

 

عمر ماجد السنوي

———

اقرأ أيضًا:

على أعتاب ذكرى السياب

كيف تكون كاتبا كبيرا

العلامة محيي الدين عبد الحميد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى