العدد الثانيمقالات

وجهة نظر: بين القدوة والشهرة

وجهة نظر: بين القدوة والشهرة!

لا أظن أحدًا يخفىٰ عليه معنىٰ “القدوة” ومشتقاتها… قاد… يقود قائدًا وقيادة… فجميعها تحوم حول اتخاذ مثل أعلىٰ في شيْءٍ ما أو مطلقًا. والقدوة -أو القائد في شيء مَا- لا يكون كذلك إلا إذا كان مثلًا يُقتدىٰ به، ولا يمكنه أن يصير مَثَلًا إلا إذا كانت أقواله تطابق أفعاله علىٰ أرض الواقع علىٰ قاعدة “سدّدوا وقاربُوا”. فلا يُتصور أن تَتّخذَ -أيها العاقل- فلانًا قدوة في شيءٍ ما إلا إذا كان لديه الأثر الواضح علىٰ أرض واقعك أنتَ لا هو، فالأمرُ لا علاقة له لا بنسبٍ ولا بمركز اجتماعي ولا بغنىٰ أو فقر وإنما بما يتركه هذا القدوة من أثر يحفز به النفوس وإن لم يكن من عِلية المجتمع -مع تحفظي علىٰ هذا التعبير!-.

فهذا هو المعنىٰ الحقيقي للقدوة والقيادة -أو أن تكون قائدًا -ضمن حدود مسؤوليتك- وهو معنىٰ نبوي شريف معلوم: يقول النّبي صلىٰ الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” فهذه قاعدة ثابثة جامعة وضعت مسؤولية القيادة في رقاب الجميع بدون استثناء!

والمسلم حينما يقتدي بالنبيّ صلىٰ الله عليه وسلم أو حينما يوجِّهُ غيره لذلك فهذا ليس اختيارًا، بل بأمرٍ تعبّديّ؛ فالمسلم مأمورٌ باتّباع سُنّة النّبي صلىٰ الله عليه وسلّم وذلك بتجنّب النواهي وفعل الأوامر قدر الاستطاعة والتحلي بأخلاقه العالية. وَلما سُئلت عائشة عن خُلقه صلىٰ الله عليه وسلم لخصّت ذلك بقولها: “كان خلقه القرآن”، وقال تعالىٰ: {وإنك لعلىٰ خلق عظيم}[القلم:4]. فنبيُّنا صَلّىٰ الله عليه وسلم أشرفُ من يُتخذ قدوة في حياة الفرد والمجتمع للنّجاة والظفر بحياة أبدية آمنة مطمئنة منعمة!

ولكنْ…

بعضُ النّاس يخلط بين أن يقتدي بشخص -من مجتمعه -أو مِن خارجه!- مَنْ يستحق ذلك، وذلك لما لدىٰ هذا المتبوع مِن الأثر الإيجابي علىٰ أرض واقعه كصدقٍ في التعامل وكرم وجود وشجاعة واهتمام بشؤون المسلم أينما كان -وكيفما جاء-، وبينَ أن يقتدي بشخص ليس لديه سوىٰ أرصدة بنكية ومركز مرموق وشهرة استطاع أن يحقق كل ذلك في فترة قياسية بالنظر إلىٰ متوسط عمر الإنسان وبقطع النظر عن الوسيلة!

ولو سُئل هذا الفرد المغترّ ماذَا رأيت في مثل هكذا شخصٍ حتىٰ تتخذه قدوة لك؟ أو عدِّدْ لَنا بعضًا من أوصافه أو أعماله التي بها استحق –في نظرك- أن يكون قدوةً لك ولأبنائك ولمجتمعك ولأمتك؟!

فربما تعلثم… إذ لن يتمكن من العثور علىٰ شيء ذي قيمة سوىٰ ما ذكرته لك سابقًا –المركز… المال… الشهرة… القوة…!

والمقصود أن ينتبه العبدُ إلىٰ مثل هذه الدقائق فهو مأمور كغيره، بينما سيكون مسؤولًا –وحده!-أمام الله تعالىٰ في اختيار من يقتدي به سواء في السوء أو الحسن! فإذا كانت هذه القدوة التي اتخذها حسنة فنعمّا هي من قدوة، وأمّا إذا كانت سيئة فليس لنا إلا تذكّر قوله تعالىٰ: {إذْ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعو ورأووا العذابَ وتقطّعتْ بهم الأسباب}! هذا الكلام الذي ينبغي أن يضعه كل فردٍ في ذهنه، وأمام ناظريه، وينسخه علىٰ أسوار غرفته وبيته ومكتبه، ويضعه علىٰ حائط أجهزته كيلا يَنسىٰ!

وكلّ ذلك…

ليحذر المسلم عواقبَ هذا الأمر وليجتهدَ دائمًا علىٰ أن يقتدي بصادقٍ أمينٍ يدله علىٰ الخير والهدىٰ الذي سيقوده إلىٰ الأمان والنعيم الحقيقي الأبدي! وخير الهدي هدي نبينا صلىٰ الله عليه وسلم.

فهذا هو دأب أي قائد حقيقي يصلح أن يكون قدوة –في حدود مكانه وإمكاناته!- لا ذاك المزيف الذي لا يهمه سوىٰ الركض وراء شهوات باطنة ونزوات باطلة؛ فتراه يكتنز المزيد المزيد، وإذا نظرتَ فيمن ينتفع منه ويهتم بشأنهم…فهذا أمر آخر عجيب…!

…{والله غالب علىٰ أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون}…

…فاللهم سدد الخطىٰ!

ياسين نزال

 

العدد الثاني

قدوم خير الناس

تنمية بشرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى