العدد الأولنصوص أدبية

عند باب الشيخ محمد

الروحانيات هذا العالَم الواسع الذي يعيش به كثير من البشر هو عالمٌ متاحٌ يستطيع ابن آدم أن يراه ولكن بعقله، ويستطيعُ أن يَلِجَه أيضًا ولكن من بابٍ واحدٍ هو باب الخيال.

كان عمري عشرة أعوام حين قالت لي أمي ذات صباح وهي توقظني: قُم وأعِن جيراننا الجدد في تفريغ أَغراضهم من الشاحنة فقد وصلوا قبل قليل، لم أرَ في الأمر حاجةً ملحّةً في النهوض، ولم أجِدْ شأنًا يجبرني على ما أرادتني فعله فتقاعستُ وعدتُ إلى نومي، ولكنها أعادت الكرَّة وقالت: يقولون إن جيراننا هُم بيت القاضي الجديد فلا تتوانَ يا بُني، اذهب وأعِنهم.

شعرتُ بالاطمئنان وقلتُ لها الأمر بسيط فإذا كان جيراننا هو قاضي المدينة ستجدين حوله الكثير ممّن يُعينه وأهلَه على تفريغ الشاحنة.

امتَعضتْ أمي من كلامي -رأيت ذلك في وجهها- وقالت بنبرةٍ لم تخلُ من الأسف: أنا أتكلّم عن جيراننا وليس لنا شأنٌ بمهنته يا ابني.

شعرتُ بكلامها وفهمتهُ وأحسستُ بالحياء المشوب بالغباء أمامها، فانطلقتُ على الفور لتكون يدي مع أيدي بضع رجال وشباب لا أدري إن كان القاضي أحدهم ولكنّي وجدتُ فتىً بعمري يحمل الخفيف من الحاجات علمتُ أنه ابن القاضي فكنت معه في حمل الأشياء، وحسبتُ أني وجدتُ صديقًا جديدًا في الحيِّ ولم أعرف اسمه بعد.

في المساء حين همّتْ أمي بزيارتهم للترحيب بهم في حيِّنا رأتني أهمُّ بمرافقتها فأخذتني معها وحين دعتهم أمي إلى وجبة الغداء -وهو عُرفٌ قديم حين ينزِل جارٌ في الحيِّ يقوم أهل الحيِّ بدعوتهم لعدَّة أيام ترحيبًا بهم وبنزولهم بينهم- غير أن زوجة القاضي بقيت صامتة على استحياء ثم طلبت أن تأخذ إذن زوجها قبل الردِّ، وبعد بضع دقائق عادت بوجه تعلوه علامات الخجل وقالت لأمي: لن نستطيع تلبية الدعوة. ثم جاء بإثرها جارُنا عالي الجناب واستأذن الدخول إلى غرفة الضيوف التي كنا فيها للسلام على أمي وتقديم الاعتذار عن قبول الدعوة وأمي لا تكاد تصدِّق، وحين شعر بحراجة الموقف وقف أمام أمي وقال بأدبٍ بعد أن شكرها: أنا قاضي المدينة ولن أستطيع العدل في قضية يكون فيها الخصم هو جاري الذي أكلتُ في بيته فاعذريني لن أستطيع تلبية دعوةٍ من أيِّ جار.

سكتت أمي بين قوة الحجة في كلام جارنا القاضي وبين وطأة العرف في أداء الواجب، عدنا إلى بيتنا خائبَين ولكن أمي في الصباح كانت قد بدأت بطبخ وجبة الطعام غير مبالية بما قاله الرجل حتى إذا انتصف النهار حملنا الطعام إلى بيت القاضي ووضعناه في باب البيت وعندما خرجت إلينا زوجة القاضي قالت لها أمي: هذا غداؤكم أتينا به إليكم ولن يكون للقاضي حُجَّة فليس هناك دعوة يُلبيها في بيت أحد.

كانت حجةُ أمي عظيمةً داحضةً أدّت بها الواجب وأبقت القاضي في بيته وعند كلمته.

في اليوم التالي جاءت زوجة القاضي إلى أمي تُقدِّم الشكر والامتنان، وقد سمعتُها تقول لأمي: أنها رأتْ في المنام كأنها تسكن في بيت جديد على حافّةِ نهرٍ، ورجل يعتمر عمامة خضراء على الضفة الثانية من ذلك النهر يشير لها بيده ويرحب بها في مسكنها الجديد، سكتتْ أمي ولم تجبها وأخذتْها وصعدت بها إلى سطح دارنا وقالت لها: هل ترين الجبل ذاك عبر النهر؟

قالت السيدة: نعم.

قالت أمي: نحن نسمي تلك الأرض “الجِزيرة” -بكسر الجيم-.

فهل ترين تلك القُبّة الخضراء المنتصبة فوق الجبل؟

ردَّت السيدة باستغراب: نعم أراها.

فالتفتت إليها أمي وقالت: إنها قبر الشيخ محمد الرجل الصالح الذي رحَّب بكِ في رؤياك.

كنتُ أقول لأمي بعد أن ذهبت زوجة القاضي مستبشرة بتفسير رؤيتها: الشيخ محمد مزار لرجل لم نرهُ ولا نعرفُه، يفصلنا عنه زمنٌ طويل، ونهرٌ عريض، كيف يرحِّبُ بهذه السيدةِ وأهلها؟

كانت أمي تجيبني بابتسامة المطمئن وتقول: حين يموتُ الناس تبقى أرواحهم حاضرةً كحياتهم فتطيبُ بطيبهم، وتسوءُ بسوئهم.

صحيحٌ أني لم أعرْ للأمر أهمية ساعتها وكان يقيني أن جدار الموت أعظم من أن تنفذَ منه أرواح الراحلين،  ولكن استقرّ في خَلَدي أن هناك عالَمًا آخر غير الذي نعيش فيه يؤثر فينا ولا نؤثر فيه. إنه عالَم الأرواح….

في الشتاء حين تمطرُ السماء، ويصيب الأرضَ سحرُ الماء تهتزّ وتُخرج ما في بطونها من جمال فتُمرع الجِزيرة وتصير بساطًا أخضر مدّ النظر فتهيئ أمي المتاع ليلة الجمعة لنعبر النهر إلى الجِزيرة وننعم برحلةٍ في يوم شتائي دافئ قُرب مزار الشيخ محمد.

بضع خطوات تفصل بيتنا عن ضفة النهر نقطعها مشيًا وكلّما قابَلنا أحدٌ وسألنا عن وٍجهتنا قُلنا له بدون وعي: إلى الشيخ محمد، وكأننا ذاهبون لأحد من الأحياء، كنتُ أضحك في داخلي وأقول: نحن ذاهبون للنُّزهة أمّا الشيخ محمد فقد شبِع موتًا.

كان زورق عمي لطيف واسعًا جدًا -أو هكذا كنت أراه- يتَّسعُ لنا جميعًا مع فرْشِنا وأواني الطبخ وسلال الخضار والخبز واللحم ولوازم الرِّحلة، وما أن نصل الضفة المقابلة حتى نبدأ بلمِّ الحطبِ من يابس الصفصافِ على جرف الفرات لنشب النار ويشرع النساء بتحضير وجبة الغداء.

كان عمي لطيف قويًا، كنت أشعر بساعده الأسمر وهو يُمسك بمجدافه الخشبي وما أن يركز رأسه بضحل الماء على الجرف ويدفع به الأرض حتى يسُود الصمت من الجميع لكن عينَي عمّي لطيف تبقيان مسمرتان في وجه أبي الجالس في مؤخِّرة الزورق طيلة الرحلة لعلّه نوعٌ من الاحترام والتبجيل.

كان الزورق قلقًا أول مسيرته وكانت بعض موجات الفرات جريئة عليه فيُشعرني ذلك بالذُّعر فأُحكم قبضتي على كتفِ الزورق تارةً وعلى كفِّ أبي تارةً أخرى حتى رأيتُ عمي لطيف يضربُ الموجة إثر الموجة برأس مجدافه المسطّح فيردها إلى الوراء ردًّا فيذعن النهر لضربته، وينسابُ الزورق بلطفٍ، ويشق حيزومُه الماءَ شقًا فيجري فيه جريان مقص البزّاز في لطيف القماش وعينه لمّا تزل مسمرة بوجه أبي المتكئ في صدر الزورق فيطمئن قلبي، ويذهب عنّي الخوف من النهر.

كان الوقت ضحىً حين رسى بنا الزورق تحت الجبل الذي يعتليه المزار وكان الصعود حادًّا جدًا إلى قمّته نستطيعه نحن الصغار أما أبي وأمي وبقية الأهل فيلتفّون من ناحية السفح الأخرى للجبل فهي أسهل بالصعود.

أعدَدنا مكان الطبخ على مقرُبةٍ من مكان جلوسنا على بُعد مئة من الأمتار من قبَّة الشيخ محمد، النساء منشغلات بإعداد الطعام، والرجال حول أبي، ونحن الصبية نركضُ بين المزار والمجلس وكلّما اقتربتُ من قبة المزار سرقتُ النظر من بابه الخشبي القديم النصف مفتوح، كنتُ أرى في داخله شيئًا مستطيلًا مرتفعًا عن الأرض قليلًا بعرض متر وطول مترين مغطى بقماش أخضر لامعٍ كوجه لحاف أبي.

كادت قدمي تأخذني إلى داخل المزار غير مرّة غير أن روحي تأبى الدخول وكأني سأُفسدُ بدخولي خلوةَ المكان وصمتَه غير أني بعد رواح ومجيء مرارًا وتكرارًا بين المزار ومجلس أبي أخذتني جرأتي حتى وقفت ببابه، كان أشبه بغرفة بسيطة يتوسطها ذلك المستطيل حوله بُسُط نظيفة وتحوطه جدران ممرَّدة بالجصّ بشباك واحدٍ مطلٍّ باتجاه القِبلة يصعدُ بناؤه ليتحدَّب ويصير دائريًّا ثم ليشكل قبةً دائرية صغيرةً تتناسب وحجم المَزار.

كانت الغرفة باردةً حدَّ الارتجاف، وصامتةً حدَّ الخشوع، وخاليةً حدَّ الرهبة  تشبه ببردها وصمتها برد وصمت الموتى، لأجل ذلك أشعرتني برهبةٍ وخوفٍ كخوف الأطفال من الظلام والمطر ففررتُ من المكان وعدتُ راكضًا إلى مجلس أبي وجلستُ لصقًا به فأدرك ما اعتراني، وانتبه لما ألمّ بي، ثم التفت إليَّ وقال: الأمواتُ ضعفاء بسطاء وحيدون، نحن نَذكرُهم فندعو لهم، ونتذكّرهم فنزورهم ونقف على قبورهم لنتصدَّق عليهم بدعاءٍ أو بآيةٍ نقرؤها عند ترابهم الدارِس.

ثمَّ نهضَ من مجلسه وأخذني من يدي ومشى بي نحو المزار حتى إذا وصلنا دفعَ الباب بيُسر، وخلعَ نعله ثم دخل ودخلتُ وراءه، وقف جاعلًا القبر بينه وبين القِبلة وفتح يديه ثم سمعته يقول: {الحمدُ لله ربِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين …}، وكأنه يعلِّمني ما أقول فصنعتُ مثله، وردّدتُ وراءه ببطءٍ وتُؤَدَةٍ فلمَّا رأيته انتهى من التلاوة مسحَ وجهه بكِلتا يديه، فقلدتُّ فعله ومسحتُ وجهي مثله بكلتا يدي فحدث شيءٌ عجيب: أحسستُ أن وجهي صار ملتهبًا بالضياء مشعًّا كأنما تجمَّع فيه نور المكان، أو كأنما تحوَّل إلى مرآة تعكس نور الشمس، لقد صار مشرقًا كمصباح سيارة فصِرت بحالة أخافتني إذ لم أعهدها من قبل كما أنها لم تحدث معي بعد ذلك اليوم أبدًا.

لم تطل هذه الحالة إلّا بضع ثوانٍ ثم عاد وجهي إلى طبيعته، لم أُخبر أبي شيئًا عمّا حصل، وخرجنا سويةً غير أني لم أذهب معه إلى مجلسه وإنما جلستُ بجانب المزار، وأسندتُ ظهري إلى حائطه، وبقيت على تلك الحال ساعة أو أكثر أُفكر في تلك اللحظة المضيئة. كانت تلك المرَّة الأولى التي أدخل فيها المزار وكانت الأخيرة أيضًا ولا أظنني سأدخله.

بقيَتْ هذه الذكرى مطبوعةً في مُخيلتي راسخةً في ذاكرتي أمرُّ عليها حين تمرّ ببالي فأصمت قليلًا لأجد تفسيرًا لها ثم لا ألبث حتى أتركها وأنساها لتعود مرَّةً أخرى بعد حين…

أيها المزار البعيد أعلمُ أن فيك جسدًا لبشرٍ لا أدري مَن هو وكيف مات ومتى دُفِن، كما لست أدري إن كان شيخًا استنفدَ الحياة أو أنه فتىً قضى ولم يُبِلَّ حياتَه من كدرِها بل لست أدري إن كان اسم من فيك محمدًا…

غير أني أعلم أنّ روحَ مَن فيك روحٌ طيبةٌ وذاك الضوء الساطع في وجهي رسالة منك تعرّفني بك، وتردّ عليَّ السلام الذي ألقيته على شاهدك والدعاء الذي رفعته عند ترابك.

بعد حين اتخذَت العائلة المكانَ مقبرةً فمات أبي وكان قد أوصى أن ندفنَه هناك ففعلنا، ثم ماتت أمي فكانت بجوار أبي… وهكذا الأمر مع أبعاضِنا الأخرى التي فارقت الحياة فتركناها هناك، وكلما كبرنا كبرتْ المقبرة وكثرت الأجساد حول المزار بعد أن كان مكانًا قفرًا ليس فيه إلّا ذلك القبر الفذ.

أخذتني الحياة بعيدًا وغِبت عن البلاد خمسة عشر عامًا وحين عدتُ إلى المدينة ذهبتُ لزيارة قبري أبي وأمي فوجدتُ المزارَ مهدَّمًا متناثرَ الأحجار، والقبرَ مكشوفًا باديًا للعيان بلا قُبّة، وبجدرٍ مهدمة ورُكنٍ مشروخ، وحين سألت: مَن فعل ذلك؟ قيل أنَّ جماعةً من المتطرّفين فجَّروه وبقيةَ مزارات المدينة لأنه بعقيدتهم نوعٌ من الشِّرك.

أيقنتُ حينها أن الضعفاء وحدَهم مَنْ يحاربُ الميِّتين، وأن القبور لا تردُّ الشرور، وأن الطمأنينة باقية حول أرواح الطيبين لا تحتاج إلى جُدُرٍ وقُبَّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى