العدد الثانيعالم الكتب

في ظلال رسالة الإمام الخطابي: بيان إعجاز القرآن

في ظلال رسالة الإمام الخطّابي الموسومة بـ(بيان إعجاز القرآن)

 

في ظلال رسالة الإمام الخطابي:
بيان إعجاز القرآن

د. عزمي عبد البديع

ليس من المبالغة أن أقول إنّ الرسالة التي خطّها الإمام الخطّابي (ت 388هـ) -رحمه الله- علىٰ إيجازها قد جاءت شافية في تقريب شأن الإعجاز إذ أبان فيها ظواهر التميّز والتفرّد في أسلوب القرآن الكريم بعدما أشار إلىٰ أقوال أهل العلم في الإعجاز من مثل القول بالصَّرْفة والإخبار عن المستقبل والغيبيَّات والبلاغة.

وخلص الخطابي إلىٰ أنّ الإعجاز من جهة البلاغة هو الوجه الأمثل والأقرب للحق والصواب لاستمرار البلاغة في جميع سور القرآن الكريم دون تمييز وقد وقع التحدي في القرآن الكريم بمطلق لفظ (سورة) دون تحديد سورة بعينها وفق ما يقتضيه تنكير اللفظ في العربية.

لكن الإشكال يَعرِضُ من جهة تفسير البلاغة فالناس في تفسيرهم لها لم يبلغوا الحدّ المقنع، وقد زعموا أن الكلام يقع فيه التفاوت من هذه الجهة دون أن يقف الناس علىٰ علل وأسباب ظاهرة مقنعة، وإذا سئلوا أحالوا إلىٰ كلام غير مفهوم.

ويفترعُ الخطابي الكلامَ ليمهد للناس السبيل إلىٰ تقريب أمر البلاغة التي إليها مردّ الإعجاز فذهب إلىٰ أنّ عمود البلاغة أي الأساس الذي تُبنىٰ عليه هو الاهتداء إلىٰ اللفظ الدقيق المُشاكل للمعنىٰ والذي إذا أُبدل به غيره فسد المعنىٰ من جهة وذهبَ رونقُ الكلام الذي يكون معه سُقوط البلاغة من جهة أخرىٰ.

وإذا كان الكلام -علىٰ ما أبان الخطابيّ- يقوم علىٰ أركان ثلاثة هي اللفظ والمعنىٰ والنّظْم فإنّ إعجاز القرآن الكريم مردّه إلىٰ بلوغ ذروة الكمال من الجهات الثلاث فالقرآن إنما صار معجزًا لأنه “أتىٰ بأفصَحِ الألفاظِ  في أحسنِ نُظُوم التأليف مُضَمّنًا أصَحّ المَعاني”.

وهذه الأمور الثلاث يستحيل اجتماعها علىٰ جهة الكمال في كلام آحاد الناس لأنّ البشر بطبيعتهم عاجزون عن الإحاطة بالألفاظ التي تنهض بها المعاني كما أنهم عاجزون عن تحقيق الكمال في استواء النظم وشرائطه والحال في معالجة المعاني وطرائق بنائها أشدّ من كل ما سبق؛ لهذا كان القرآن معجزا وإن كانت حروفه من جنس حروف العرب وألفاظه من ألفاظهم.

وكيف السبيل إلىٰ بلوغ المعاني القرآنية وقد انتظم الحديث فيها عن توحيد الله تعالىٰ الموصوف بالجلال والكمال والحديث عن مبدأ خلْق الإنسان والسماوات والأرض والملائكة والساعة والحساب والجنة والنار والحديث عن الأمم الغابرة وما وقع لهم من العبر والمثلات… ووقع تصريف هذه المعاني جميعها بكل وجوه الخطاب الممكنة التي تقطع رقاب المعاندين وتقيم عليهم البرهان والحجة.

إنّ المعاني الصريحة والمضمرة  في القرآن الكريم لا يستطيع البشر ولو كانوا مجتمعين أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا علىٰ أنها لا تنتهي ولا تنفد ولا تخلَق علىٰ كثرة الردّ حتىٰ قيام الساعة وهذا هو الإعجاز.

فمن كان منهم محسنا بارعا في اختيار الألفاظ وقع في خطَل المعاني ومن رام المعاني تنكّب صراط الألفاظ ومن اهتدىٰ إلىٰ اللفظ والمعنىٰ قد لا يسعفه التوفيق في ترتيب جهات النظم علىٰ الوجه الذي يستقيم معه الكلام ويصل به إلىٰ أعلىٰ طبقات البراعة والفصاحة.

وما ذكره الخطابيّ في رسالته كلام عميق بعيدٌ غورُه يطول شرحه وتغمُض مسالكه ويحتاج في إدراكه إلىٰ التنقيب في كلام العرب ودواوينها وقراءة الشعر الذي هو محلّ الاحتجاج وتربية الذوق والدّرْبة وطُول الخدمة والممارسة؛ لتُعرَف الوجوه التي يُبنىٰ عليها الكلام وتقوم بها المعاني والتهدّي إلىٰ رسوم النظْم المتباينة وهو جهد لو تعلمون عظيم لا يقوىٰ عليه رجل ولا رجلان ولا عصبة من الناس.

وكان الأجدر بنا أن تجتمع أمتنا علىٰ كلمة سواء وأن يلتفت أولوا الأمر ومن ولاّهم الله تعالىٰ شؤون معاقل العلم في أوطاننا إلىٰ هذا التراث للعناية والاهتمام به والعمل علىٰ إخراجه وتلخيصه للناشئة عسىٰ أن تهتدي عقولهم إلىٰ ما لم نهتد نحن إليه، ولا تعتقدوا أن الأول لم يترك للآخر شيئا فالأرزاق مقسّمة والحظوظ متفاوتة وفضل الله تعالىٰ عظيم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

وفي سبيل تقريب أمر الإعجاز من جهة البلاغة كما استقر عند أهل العلم والنظر: ذهب الخطّابي إلىٰ أنّ أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في نسبة التِّبْيان متفاوتة ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية.

فمن أجناس الكلام جنس يوصف بالرّصين الجزْل ومنه الفصيحُ القريبُ السهْل ومنه الجائز الطلْق الرسْل وهذه درجات الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم والذي لا يوجد في القرآن شيء منه ألبتة.

واعتبر الخطّابي أنّ الضرْب الأول هو أعلىٰ طبقات الكلام وأرفعه والضرب الثاني أوسطه وأقصده والثالث أدناه وأقربه.

كثير من الدارسين فهم من كلام الإمام الخطّابي أن القرآن الكريم تتفاوت درجات بلاغته وفصاحته فمنه البليغ والأبلغ وهذا يعني التفاوت في بناء الأسلوب القرآني وفق هذه القسمة التي فصّلها في شرح أجناس الكلام (الرصين الجزْل – الفصيح السهْل – الجائز الرسْل)

وراح هؤلاء الدارسون – منهم الشيخ عبدالكريم الخطيب – يدللون علىٰ هذا التفاوت بنصوص من القرآن الكريم بدعوىٰ أنّ بعضها جزْل فخْم وبعضها سهْل عذْب.

وكلام الخطّابي لا يوحي بشيء مما ذهبوا إليه وإنما أراد – رحمه الله – أن يبيّن للناس سمات وأوصاف الكلام الفاضل المحمود فلما كانت أجناس الكلام متفاوتة  وفق اختلاف النعوت والأوصاف المذكورة لأنها صفات متضادة في ذاتها فيتعذر اجتماعها في كلام واحد من البشر.

وبين يديْك كلام الخطّابي – رحمه الله – حتىٰ يستبين سبيل الحق والصواب يقول:

“فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصّة وأخذت من كل نوع من أنواعه شُعبة فامتزج لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما علىٰ الانفراد في نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوُعورة”.

“فكان اجتماع الأمرين في نظْمه مع نُبُوّ كل واحد منهما علىٰ الآخر فضيلة خُصّ بها القرآن الكريم ليكون آية بينة لنبيّه – صلىٰ الله عليه وسلم – ودلالة له علىٰ صحّة ما دعا إليه من أمر دينه”.

هذاالكلام واضح في محاولة تقريب فكرة الإعجاز من خلال التميّز والتفرّد فالقرآن الكريم توصف آياته بالسلاسة والعذوبة والفخامة والجزالة في آن واحد وذلك مما يتعذّر تحققه في كلام البشر لاستحالة اجتماع النقيضين أعنىٰ (السهولة والعُذوبة والفخامة والجزالة) وتلْكَ خصوصية تفرّد بها النص القرآني فكان معجزا.

سبَقَ أن أشار الخطّابي إلىٰ أنّ الكلام يقوم علىٰ ثلاثية اللفظ والمعنىٰ والنظْم، وأنّ التفاوت والتمايز بين طبقات الكلام يتأتّىٰ من هذه الجهات المذكورة، وبقدر الزلل فيها يكون النقص، وبقدر الإجادة والتوفيق يبلغ البيان ذِرْوة الفصاحة، ويرتقي إلىٰ أعلىٰ طبقات البلاغة.

كما ذهب الخطّابي إلىٰ أن (عمود البلاغة) أي الأصل الذي تقوم به هو الاهتداء  إلىٰ التعبير باللفظ السديد الأخصّ الأشكل بمواضع الكلام، والذي لا يستقيم إلا به وإذا أبدلت به غيره، وأزلته عن مكانه، اختلّ المعنىٰ، وفسد المراد، وذهب رونق الكلام، وسقطت بلاغته.

وفي هذا السياق يتعرّض الخطّابي لكثير من الألفاظ اللغوية المتقاربة في المعنىٰ والدلالة، والتي يحسب أكثر الناس أنها متساوية في الإبانة والغرَض.

كـ(الحمد والشكر) و(البخل والشحّ) و(النعت والصفة) و(قعد وجلس) و(وبلىٰ ونعم) و(عن وفي) و(ذاك وذلك) وغيرها من الألفاظ المشتركة في أصل المعنىٰ وهي كثيرة في اللغة، وتنزيل هذه الألفاظ والحروف في موقعها المناسب، علم دقيق يذهل عنه أكثر الناس، ويغفُلون عن مواضعه.

تفصيل ذلك أنّ الحمد يقع في مطلق الثناء، والشكر لا يكون إلا علىٰ الجزاء، وأنّ الحمد يكون قولا كما يكون فعلا، كقوله تعالىٰ (اعملوا آل داوود شكرا)، والحمد كذلك يكون في المحمود والمكروه، بينما الشكر لا يكون إلا في المحبوب، كما أنّ الشحّ أشدّ من البخل؛ لقوله تعالىٰ (ومن يُوق شحّ نفسه فأولئك هم المُفلحون).

ومن الفروق الدقيقة في مواقع الحروف، التعبير بـ (في وعن) كقوله تعالىٰ (الذين هم عن صلاتهم ساهون)، ولو قيل: (في) لدخَل الجميع تحت العقاب والتهديد الذي توعّدت به السورة الكريمة في قوله (ويل للمصلّين).

وتأويل الآية الكريمة مع حرف (عن) هم الذين ينشغلون عن الصلاة، ويؤخرونها عمْدا عن مواقيتها المشروعة، حتىٰ يخرج وقتها، ومع حرف (في) يكون المعنىٰ الذي لا يدري عن كم ينصرف من صلاته عن شفع أو عن وَتْر؟

وفي الجواب عن السؤال يجري الاستعمال بـ(نَعَمْ وبلىٰ) وبينهما فرق هائل؛ لأنّ (بلىٰ) جواب في الاستفهام المنفيّ، و(نعم) جواب في الاستفهام المثبت، كقوله تعالىٰ (ألسْت بربكم قالوا بلىٰ) ولو قيل في الجواب هنا (نعم) لفسد المعنىٰ، وتحوّل الكلام عن المقصود من إقرار الإيمان والتوحيد، إلىٰ إقرار الكفر والعصيان.

والخَطّابيّ بهذا البحث الدقيق لا يذهب مذهب القائلين بالترادف، بل يخالفهم؛ لأنّ كل لفظ له خصوصيته، وإن كان الاشتراك قائما في أصل المعنىٰ.

فكان القرآن معجزا من هذا الوجه، أي من جهة وضع الألفاظ وتنزيلها في منازلها الحقيقة بها؛ حتىٰ يستقيم المعنىٰ، ويبلغ البيان أعلىٰ مراتب البلاغة التي يعجز عنها البشر؛ لقصورهم وذُهولهم عن مواضع الكلام ودقائق الألفاظ، مما قد يتعذّر معه استمرار الفصاحة في كلامهم كاستمرارها في القرآن الكريم.

ذكرنا فيما أمضيناه من القول أنّ الخطّابي ذهب إلىٰ أن القرآن معجز من الجهات التي يقوم عليها الكلام وهي (اللفظ – المعنىٰ – النظم) والبشر يتفاوتون في الوفاء بحق هذه الجهات الثلاث فمن أوفىٰ باللفظ لم يوف بالمعنىٰ ومن أوفىٰ باللفظ والمعنىٰ وقع في اختلال النظم والتأليف ومن هنا كان عجز البشر عن البلوغ إلىٰ حدّ الكلام المعجز.

ثمّ أخذ الخطّابي يعرض بعضا من الشبهات التي قد تعترض عقول القاصرين عن فهم لغة القرآن الكريم ومقاصده أو الذين يعمدون إلىٰ إثارة الشبهات فيطرحونها في طريق العوام من الناس حتىٰ يقع الشكّ والارتياب في كتاب الله تعالىٰ.

فمن هذه الشبهات التعبير بلفظ (أكَل) بدلا من افترس في قوله تعالىٰ (فأكله الذئب) والعرب لا تعرف إلا الافتراس في لغة السباع خاصة علىٰ ما زعموا.

ولفظ (امشوا) في وصف حال المشركين بدلا من سارعوا  كما في قوله تعالىٰ (أن امشوا واصبروا علىٰ آلهتكم) والمشي أدنىٰ درجات السير.

ولفظ (هلَك) بدلا من زال في قوله تعالىٰ (هلك عنىٰ سلطانية) والهلاك يكون في الأعيان والأشخاص والسلطان معنىٰ فلا يصحّ فيه الهلاك.

وكقوله تعالىٰ (والذين هم للزكاة فاعلون) ولا أحد من الناس يقول فعل فلانٌ الزكاة وإنما يقولون زكّىٰ الرجلُ ماله أو أدّىٰ زكاة ماله.

وكزيادة بعض الحروف ولا معنىٰ لها كقوله تعالىٰ (ومن يُرد فيه بإلحادٍ بظلم) وقوله (ولم يعْيَ بخلقهن بِقادر) والباء لا موضع لها ها هنا.

ومن الشّبَه التي قد تعرض من جهة سوء التأليف ونسَق الكلام بما ينبو عنه الذوق ولا تليق به الفصاحة علىٰ زعمهم وبهتانهم قوله تعالىٰ (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) بعد قوله (أؤلئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة).

وقوله (وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا علىٰ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين).

وكقوله تعالىٰ (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) وليس في أول الكلام ما يصحّ به التشبيه علىٰ ما هو ظاهر في زعمهم.

قال المبطلون وقد يقع الحذف والاختصار كثيرا في القرآن فيشكل بذلك معناه كحذف أجوبة الشرط وهو كثير كما في قوله تعالىٰ (ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كُلم به الموتىٰ بل لله الأمر جميعا) فلم يذكر الجواب فبطلت فائدة الكلام وأصبح المعنىٰ مبتورا.

وكقوله تعالىٰ (حتىٰ إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها) فأسقط جواب الشرط ونظائره كثيرة في القرآن الكريم.

ومن الشبه أيضا التكرار فقد وقع بكثرة ملحوظة كقوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) وهو عكس ما سبق في أسلوب الحذف حيث إنّ التكرار يفسد الكلام أيضا.

ويدخل في هذا الباب تكرار القصص والمواعظ  وضرب الأمثال في سور متفرقة وقد زعموا أن الأولىٰ أن يقسّم القرآن علىٰ موضوعات موحّدة فتكون هناك سورة للقصص وسورة للمواعظ وسورة للحِكَم والأمثال وسورة للأحكام والتشريعات ونحو ذلك حتىٰ يحسن ترتيب الكلام ويسهل حفظه في العقول وثباته في الصدور.

وقد يُدخل بين الكلاميْن ما ليس من جنسهما ولا قبِيلهما كقوله تعالىٰ (لا تحرك به لسانك لتعجل به) بعد قوله (بل الإنسان علىٰ نفسه بصيرة) وهذا ليس بالفصيح عند أهل البيان وأرباب الكلام.

ومن هذه الشبهات أيضا ما ذكروه من قلة الغريب في ألفاظ القرآن الكريم بالإضافة إلىٰ الواضح منها وهذا بخلاف ما عليه بلغاء الشعراء في استعمالهم الغريب وإكثارهم منه مما يشهد لهم بالتمكن في اللغة وقوة العارضة في البيان.

هذه مجمل الشبهات التي أثيرت حول البيان القرآني ولننظرْ كيف ردّ الخطّابي هذه الشبهات بالحجج والبراهين القوية من العلم باللغة وبوجوه الكلام وبفقه طرائق القرآن الكريم في الفصاحة والبيان وصدق الله تعالىٰ (قل لئن اجتمعت الإنس والجن علىٰ أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).

الردّ علىٰ شبهات الطاعنين:

ذكرنا فيما مضىٰ من البيان أنّ الخطّابي قد عرَض لبعض الشبهات التي أُثيرت حول القرآن الكريم من جهة فصاحة ألفاظه وطريقة نظمه وتأليفه وكثرة الحُذوفات التي يستغلق معها المعنىٰ والتّكرار في أسلوبه وقِلّة الغريب وزيادةِ بعض الحروف من غير فائدة وتكرارِ القصة الواحدة في القرآن أكثر من مرّة وهذا كله من مزاعم المُبطلين.

وكان الإمام قويّ الحجة لا يتكلّم إلا بالدليل والمحاججة بالعقل والمنطق والبرهان الساطع لتضلّعه في اللغة واستحضاره الشعر العربيّ الذي به يقع الاستدلال ويحتجّ به للقرآن الكريم وفقه لسان العرب.

وأما دعواهم أن القرآن عبّر بألفاظ غيرها أبلغ منها كما في قوله تعالىٰ عن إخوة يوسف {فأكله الذئب} والعرب تقول افترسه في السباع خاصة فقد ردّ الخطّابي عليهم الشبهة بالحجة اللغوية إذ (الفَرْسَ) في اللغة أصله دقّ العنق وإخوة يوسف ادعوا علىٰ الذئب أنه أكله أكلا وأتىٰ علىٰ جميع أجزائه عضوا عضوا فلم يترك فيه مفصلا ولا عظْما لأنهم خافوا مطالبة أبيهم بأثر تبقّىٰ من جسده يشهد بصحة ما زعموا فلم يصلح في هذا الوجه إلا ما جاء عليه لفظ القرآن الكريم.

كما أنّ الأكل شائع في الاستعمال العربيّ الفصيح وليس كما زعموا وقد نقل عن ابن السكّيت اللغوي المعروف قول العرب في هذا المعنىٰ نفسه “أكل الذئب الشاة فما ترك منها تامورا -أي ما ترك منها قلبا ولا عظما ولا دما – ولبعض شعرائهم:

أبا خراشة أمّا أنتَ ذا نَفَرٍ — فإنّ قوميَ لمْ تأكلْهم الضّبُعُ

وقد يتوسعون في الباب فيقولون في اللديغ أكلته الحيّات والهوامّ والعقارب وفي لغةٍ عن بعض الأَعْراب (أكَلُونِي البراغيثُ) فاستعاروا الأكل للقرْص وهو كثير في كلامهم.

وأما قوله تعالىٰ {أن امشوا واصبروا علىٰ آلهتكم إنّ هذا لشيئ يُراد} وقد زعموا أنّ (المشْي) أدنىٰ الدرجات وكان الأولىٰ والأبلغ أن يقول: (امضوا أو انطلقوا) ونحو ذلك وليس الحال كما ادّعوا لأنّ الآية في سياق الحديث عن وصف حال المشركين في ثباتهم علىٰ عبادة آلهتهم من دون الله وعدم انزعاجهم لدعوة رسول الله صلىٰ الله عليه وسلم بترك عبادتها والتشنيع عليهم بسببها.

وهم إنما قصدوا أنهم ملازمون لسجيتهم المعهودة لا يصرفهم عن موقفهم صارف فكان يوصي بعضُهم بعضا أن امشوا علىٰ سجيتكم ولا تُعوّلوا علىٰ كلام محمّد ولو جاء القرآن بلفظ (امضوا أو انطلقوا أو سارعوا) ونحو ذلك لكان فيه انزعاج لهم والقوْم لم يقصدوا ذلك ولم يريدوه فثبت فصاحة لفظ القرآن الكريم.

وأمّا قوله تعالىٰ {هلكَ عنّي سُلطانية} وقد زعموا أن الأولىٰ والأفصح أن يقول (ذهب أو زال) ونحوهما لأنّ الهلاك يكون للأعيان والذوات والسلطان معنىٰ من المعاني لا يصح فيه لفظ (هلَك) لكنّ الخطّابي ردّ باطلهم بأنّ لفظ الاستعارة (هلك) أبلغ من لفظ الحقيقة.

والقرآن الكريم ينتقل من الحقيقة إلىٰ المجاز حين لا يفي لفظ الحقيقة بالمراد ولو قال (ذهب) ونحوه لكان المعنىٰ مختلا فإن الذهاب يكون مظنّة العودة والرجوع وهنا الحديث عن زوال المُلْك والسلطان في الآخرة فهو زوال لا رجوع بعده فناسب المعنىٰ لفظ الاستعارة لأنه أقوىٰ  في تصوير المعنىٰ المراد.

وهذا كقوله تعالىٰ {وآية لهم الليل نسلخُ منه النهار} فعبّر بالسلْخ علىٰ سبيل الاستعارة لأنّ لفظ الاستعارة أقوىٰ من لفظ الحقيقة كالذي في (نخرج) ونحوذلك لما في لفظ المجاز من الإعجاز والتصوير.

وكقوله تعالىٰ {فاصدعْ بما تُؤمر} والصدْع مستعار من صدْع الزّجاج وهو أفصح من لفظ الحقيقة الذي هو (أبلغْ) ونحوه لأن المعنىٰ أن يكون بلاغه صلىٰ الله عليه وسلم علىٰ نحو من التأثير والنفاذ بلاغا واصلا إلىٰ القلوب كتأثير الصدْع في الزجاج ونحو ذلك.

وأمّا قوله تعالىٰ {والذين هم للزكاة فاعلون} وكان الأولىٰ -في زعمهم- أن يقول (يؤدون أو يعطون) ونحوهما فإن لفظ القرآن أبلغ لأنه أراد أن تكون الزكاة فعلا تاما لهم يزاولونه طوال حياتهم وهذا المعنىٰ لا يستفاد علىٰ وجه الكمال إلا بهذه العبارة.

وأمّا ما ادعوه من زيادة بعض الحروف من غير معنىٰ كزيادة الباء في قوله تعالىٰ {ومنْ يُردْ فيه بإلحاد بظلم} فقد ردّ عليهم الخطّابي بأنّ زيادة الحرف في الكلام يقع في كلام العرب المشهود لهم بالفصاحة بخلاف المتأخرين والمحدثين.

وقد نُقل عن أبي عمرو بن العلاء – وهو الحجة في اللغة – قوله “اللسان الذي نزل به القرآن وتكلمت به العرب علىٰ عهد النبي صلىٰ الله عليه وسلم عربية أخرىٰ عن كلامنا هذا” انتهىٰ.

لهذا صار العلماء لا يحتجون بشعر المحدثين كبشّار ودِعبل الخزاعي ونحوهما ويرجعون في الاستشهاد إلىٰ شعراء الجاهلية وإلىٰ المخضرمين منهم وإلىٰ الطبقة الثالثة التي أدركت المخضرمين وذلك لعلمهم بما دخل الكلام في الزمن المتأخّر من الخلل والضعف والاستحالة.

والعرب قد تزيد بعض الحروف وتلغي معناها لإرادة التوكيد والإبلاغ وبهذا نزل القرآن الكريم كزيادة حرف “الباء” في قوله (بإلحاد بظلم) وكزيادة حرف “لا” في قوله تعالىٰ {لا أقسم بهذا البلد} والمعنىٰ أقسم.

وقد زعموا -بالإضافة إلىٰ ما سبق- الاضطراب في نظم القرآن من جهة سوء التأليف كقوله تعالىٰ {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} بعد قوله تعالىٰ {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فكيف يلتئم نظام التشبيه والجهة كما يبدو منفكة في ظاهر الحال.

وقدّ ردّ عليهم هذه الشبهة بأن الكلام راجع إلىٰ قوله تعالىٰ في أول السورة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فوجه التشبيه علىٰ انسجام الكلام بين الحاليْن فكلاهما اجتمعا في سلامة العاقبة وصلاح المآل علىٰ كره من النفوس في بداية الأمر.

فالكُرْه الحاصل في بعض نفوس القوْم من قسمة الغنائم وقد ظنوا أنّ توزيعها باجتهاد محفوف بالهوىٰ والمحاباة من الرسول -وحاشاه- صلىٰ الله عليه وسلّم كذلك الحال أخرجك ربك من بيتك بالحق علىٰ كُره أيضا من الصحابة يوم بدْر إذ خرجوا علىٰ غير تدبير وتأهّب فكان في خروجهم وطاعتهم للرسول الكريم الخيرُ والفلاحُ وبهذا حصلت المناسبة وتحقق الجامع علىٰ أبلغ وجه.

وأمّا زعمهم دخول كلام مُعتَرَضٍ بين كلاميْن مما قد يحصل بسببه التنافر كـقوله تعالىٰ {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} بين قوله تعالىٰ {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} وقوله {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} فإنّ الكلام المعتَرَض به هنا هو عين البلاغة وإنسانها لتثبيت قلب النبيّ الكريم صلىٰ الله عليه وسلّم إذْ كان صلوات الله عليه أمّيا وكان إذا قرأ عليه جبريل أخذ يُردّد ويُكرّر القرآن خشية أن ينْسَىٰ أو يفوته شيء فاعترضه القرآن مطمئنا قلبه الشريف { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} فجاء علىٰ أحسن نظامٍ وأبلغ بيان.

كما قد يقع من الأستاذ مثلا حين يلقىٰ درسه علىٰ الطلاب ويلحظ انشغالهم بعارض كالتقييد والكتابة فيقطع حديثه قائلا لهم: دعوا الأقلام وركزوا معي أو افهموا عني ما أقول ثم يستمرّ في درسه كأنّه أراد أن ينبههم علىٰ أهمية العناية بالأمر ولم يكن بذلك قاطعا حديثه بكلام خارج عن الموضوع ذاته.

وأمّا ما عابوه علىٰ كتاب الله تعالىٰ من كثرة الحذف والاختصار فقد عابوا وجها عظيما من وجوه بلاغته لأنّ البلاغة تقتضي حذف فضول الكلام وإسقاط زوائده ولا يوجد حذف في القرآن الكريم إلاّ وقد قامت قرينة حالية أولفظية أو سياقية تدل علىٰ المحذوف والمحذوف إذا دلت عليه قرينة كالمذكور تماما إلاّ أنّ الحذف في هذه الأحوال أبلغ.

وثمّ شيء آخر هو أنّ الحذف في القرآن الكريم أبلغ من الذكر في كل موضع ولو أنك عمدت إلىٰ محذوف في آية من آياته وصرّحت به وأظهرته في اللفظ والصورة لسقطت بلاغة الكلام وذهبت طلاوته كحذف أجوبة الشرط مثلا من نحو قوله تعالىٰ {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ } أي لكان هذا القرآن وإنما الحذف هنا لتذهب النفس فيه كل مذهب كما في قوله تعالىٰ {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي لرأيت أهوالا عظيمة لا يمكن وصفها فتأمّل حالك مع الذكر وحالك مع الحذف لتدرك بعد ما بين الكلامين!!

وأمّا ما عابوه من التكرار في القرآن الكريم فإنّ التكرار في الكلام علىٰ ضربين محمود ومذموم والتكرار يكون مذموما إذا أمكن الاستغناء عنه وهذا ليس منه في القرآن شيء ألْبتّة.

وأطول تكرار وقع في كتاب الله تعالىٰ ما جاء في سورة الرحمن {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وإذا نظرت ستجد أنه كلما ذكَر نعمة أو ما يقوم مقامها أعقبها بما يُوجب شكرها إشارة إلىٰ وجوب الإقرار بالنعمة والإحساس بها والتأكيد علىٰ العناية بها والاهتمام بشأنها وهذا صنيع فصحاء العرب يُكرّرون الكلام في مواطن العناية والتأكيد.

كما يقع من عتاب الرجل ولَدَهُ العاقّ حين يجْحَدُ فضلَه عليه فيقول له الوالد: (ألمْ أُحسنْ إليك؟ ألم أُنفق ما لي عليك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟) كل هذا علىٰ سبيل التقرير  والتأكيد وتذكيره بنعمه وأفضاله عليه حتىٰ يرعوي عن غيّه وضلاله.

ومن الشبه التي أثارها المشككون في إعجاز القرآن ما زعموه من إمكان وقوع المعارضة مما تبطل معه حُجّية التحدّي.

وفي سبيل نقض هذه الشبهة أخذ الخطّابيّ يشرح أوّلا مفهوم المعارَضة وصور وجودها في الشعر العربيّ وحدودها ورسومها المختلفة ولعلّ الخطّابيّ بهذا المنهج هو أوّل من شرع هذا الباب وأطال فيه المقال وفصّله وبيّنه بصورة جلية واضحة لا مزيد عليها.

وسبيل من عارَض صاحبه في أدبٍ أو شعْر أن يُنشيء له كلاما جديدا ويُحدث له معنىٰ بديعا فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه، أو يتبارىٰ الرجلان في شعر أو خطبة أو محاورة فيأتي كل واحد منهما بأمر محدث من وصف ما تنازعاه وبيان ما تباريا فيه يوازي بذلك صاحبه أو يزيد عليه.

نحو ما تنازعه امرؤ القيس وعلقمة الفحْل من وصف الفرَس وحكمت زوج امرئ القيس لعلقمة حين زعمت أنّ زوجها ضرب فرسه ومراه بساقيْه وهذا قد يقدح في قوته ونجابته بخلاف علقمة الذي أدرك طريدته دون ضرْب ولا تحريك ساقين ولا صياح هكذا:

فأدركهنّ ثانيا من عنانه … يمرّ كمرّ الرائح المتحلّبِ

وكما وقع من الإجازة بين الشعراء علىٰ نحو منازعة الحارث اليشكريّ لامرئ القيس نفسه كما في قول امرئ القيس:

أحارِ ترىٰ بُريْقا هبّ وهنًا

فأجازه الحارث بقوله:

كنارِ مجوسَ تستعرُ استعارا

وقال امرؤ القيس:

فلم ترَ مثلنا ملكًا هماما

فقال الحارث:

ولم تر مثل هذا الجار جارا

هكذا يقول امرؤ القيس الشطر الأول من البيت ويجيزه الحارث في مُماتنة واقتدار وكان امرؤ القيس يماتن الشعراء جميعا من ذي قبل فيعجزهم فلما ثبت له الحارث اليشكريّ آلىٰ علىٰ نفسه أن لا يماتن شاعرا بعده.

ومن صور المعارضة أيضا تَعاطِي الشعراء المعنىٰ الواحد فيرتقي أحدهما إلىٰ ذروته ويقصُر شأو الآخر عن مساواته في درجته كالأعشىٰ والأخطل حين تنازعا وصف الخمْر فكان لأحدهما العلوّ وللآخر السفْل.

والسبب الذي دعا الخطابي للإطناب والتفصيل في شرح مفهوم المعارضة بين الشعراء وبيان وجوهها وتصرّفاتها في الكلام هو الحجاج المقنع الذي يبطل وصفَ المعارضة وجريانها علىٰ الكلام السفيه الذي نُسب إلىٰ مسيلمة وغيره من مثل هذا الكلام الذي يقوم علىٰ التحيّف من ألفاظ الغير ومحاكاة النظم والجرْس دون التفطّن إلىٰ وجوه المعاني والتهدّي إلىٰ الملاءمة والانسجام في بناء النسق البياني.

قال مسيلمة الكذاب: (الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل) وهذا مطلع فيه تهويل وتصعيد وتفخيم ثم اقتصر في الجواب علىٰ ذكر الذنَب والمِشْفر!

وكأنّه أراد أن يحاكي لفظ القرآن في قول الله تعالىٰ: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} فتأمّل بُعْد ما بين كلام وكلام وهو درْس لو تعلمون عظيم لا يعرفه إلا من عرف مخارج الكلام ومرن علىٰ مقاطعه ومبانيه وعرف وجوه التلاؤم والنّظام.

فراجع نفسك الآن واشحذْ بصيرتك وأعد الفكر والنظر واقرأ {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} فدلّ علىٰ الهوْل العظيم والآية الكبرىٰ التي تفجع الناس يوم الفزع الأكبر.

بينما البائس المسكين لم يَزِد علىٰ أن قال: (الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب قصير ومشفر طويل) فاقتصر من هذا المخلوق الهائل العظيم علىٰ أقل شيء فيه فلم يكن بناء المعنىٰ صحيحا فضلا عن أنه لم يأتِ بكلام جديد وإنما أخذ من لفظ القرآن وحاكىٰ الصوت والجرْس وغفل عن المعاني فأخطأ الطريق وضل سواء السبيل.

وأمّا قولهم : (ألم ترَ كيف فعل ربك بالحُبلىٰ أخرج من بطنها نسمة تسعىٰ من بين شراسيف وحشا) فقد تحيّفَ لفظ القرآن أيضا ولم يبتكر حرْفا من عقله ومع ذلك أخطا سبيل النظم والمعنىٰ معا لأنّ بناء النظْم علىٰ أسلوب (كيفَ فعلَ) أينما وقع في كلام لا يكون إلا في الأمر الشنيع والحادثة الفظيعة.

قال تعالىٰ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} فانظر -رحمك الله- كيف بُني الكلام وانسجم نظامه حيث ناسب أوّل الكلام آخره.

وأمّا الجاهل المسكين لم يقع في ذهنه الفرق الهائل بين سياق الرحمة وسياق النقْمة فقال (أخرج من بطنها نسمة تسعىٰ) والولد نعمة ورحمة وليس عذابا ونقمة.

ثم أخطأ من وجه آخر حيث قال (من بين شراسيف وحشا) والولد مقرّه الرّحِم  في بطن الأمّ ولا علاقة له بالأمعاء والحَشَا فكان جهله جهلا مركّبا، فأين هذا الكلام الساقط السخيف من كلام الله الخالق العزيز؟!!

وبهذا تعلم أنّ القوْم لم يصنعوا في معارضة القرآن شيئا والأمر في ذلك واضح لا يخفىٰ علىٰ ذكيّ.

خاتمة:

بعد أن أفحم الخطّابي شبهات المبطلين وأسقط دعاواهم بأقوىٰ الحجج والبراهين وذلك بملكته الحجاجية وذائقته البيانية وتمكنه في فقه اللسان العربيّ بما يقطع الطريق علىٰ أهل الهوىٰ والزيْغ والبهتان: ختم الخطّابيّ رسالته بالإشارة إلىٰ وجه جديد من وجوه إعجاز القرآن الكريم ليس من قبيل ما سبق شرحه وبيانه وهو أمر لا يتعلّق بلفظ القرآن ولا بمعناه ولا بنظمه وجرْسه وإنما هو ذلكم الروح التي تسري فيه مسرىٰ الدم في العروق ومسرىٰ الرطوبة في العود الأخضر وذلك هو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس!

هذا الوجه من الإعجاز لم يُسبق إليه الخطّابي وقد ذكَر أنّ أكثر الناس غافلةٌ عنه وهو الأمر المشهود وقد شهدت به آيات القرآن الكريم في سياقات كثيرة من مثل قوله تعالىٰ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}، وقوله تعالىٰ: {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}،  وقوله تعالىٰ: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} وقوله سبحانه: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَىٰ الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}.

ولأثر القرآن الكريم في النفوس آمن به أكثر الناس في الصدْر الأول بمجرّد سماعه وهم الذين قد همّوا بقتل رسول الله صلىٰ الله عليه وسلم كما حدث من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ذهب إلىٰ دار أخته شاهرا سيفه عازما علىٰ سفك الدماء فما إن سمع بضْع آيات من أول سورة (طه) إلا وتغيّر حاله وقد آمن وحسن إسلامه وكان له في الإسلام ما ترىٰ وتسمع!

وعُتبة بن ربيعة قرأ عليه رسول الله صلىٰ الله عليه وسلم بضْعَ آيات من صدْر  سورة السجدة فرجع إلىٰ قريش بغير الوجه الذي أرسلوه عليه.

والأعجب من كل ما مضىٰ أن استمعَ إلىٰ القرآن نفرٌ من الجنّ فصرّحوا بأن هذا الكلام الذي سمعوه أعجب ما سمعوا من الكلام وأنّه الكتاب الحق الذي يهدي إلىٰ الرّشْد فأذعنوا له وأعلنوا الاعتصام بهداياته.

هذا هو الوجه الأعظم في الإعجاز إنه ذلكم الروح التي تسري في عروق سور القرآن وآياته {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}.

إنّ الأثر النفسيّ للقرآن أمر قوامه الأرْيحيّة والذّوق إذْ يُدرَك ولا يمكن وصفه كالروح التي تجري في البدن وكالمَلاَحة في الوجه الحسَن تدلّ علىٰ نفسها دون أن تجد لذلك سببا بينا أو علة واضحة.

وقد استفادت الدراسات الأدبية والنقدية قديما وحديثا من كلام الإمام الخطّابي -رحمه الله تعالىٰ- في هذا الباب الذي لفت إليه وتنبه كثير من الدارسين إلىٰ العناية بالنصوص الأدبية والشعرية ومحاولة تفسيرها تفسيرا نفسيا بالإضافة إلىٰ التفسيرات اللغوية والسياقية.

 

 

اقرأ أيضًا:

في الإعجاز البلاغي

 

القاموس المحيط والقابوس الوسيط

 

نقض التعبير بكونه عن التعليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى