العدد الثانينصوص أدبية

غرناطة

 

غرناطة

شعر: يوسف الضباعي

 

هذا الخريفُ أتاكَ ياطللُ
وتسيرُ من بلدٍ إلىٰ بلدٍ
حملتْكَ نحوي كلُّ سابحةٍ
عيناكَ.. لا أدري.. بلا ألقٍ..
أنكرتُه توًّا وأعرِفُهُ
أين البريقُ وكنتُ أنشدهُ
ودمشقُ كيف تركتها.. بَرَدَىٰ..
والنيلُ.. والأهرامُ تحرسهُ..
والرَّوضةُ الغنُّاءُ.. نخلتُها..
وَبَنو أبيكَ.. ألستَ تذكرُهمْ..
“الطيف”: غرناطةُ يا قلبُ معذرةً
هل أخطأَ العصفورُ روضتَهُ
طالَ انتظارُ الشوقِ يا أملًا
ما زِلتُ أنظِمُ كلَّ قافيةٍ
هي مثل هذا الطيفِ ناقصةٌ
مذْ غادرَ العربيُّ جنّتَهُ
من أين أبدأُ؟ كلّها غُصَصٌ
وعلىٰ ضفافكِ عند عودتهِ
ولغتْ علوجُ الفرسِ في دَمِنا
بغدادُ فيها ألفُ مُبكيةٍ
وهناكَ في صنعاءَ يضربُنا
ودمشقُ.. أين دمشقُ؟ لا بَرَدَىٰ
يبستْ زهور الشامِ في يدنا
وعلىٰ رمالِ الشرقِ ما فتئتْ
عللٌ تمادتْ في غياهبها
وأنا.. وهذا الطيف.. يتبعني
وحدي علىٰ أملٍ قذفتُ بهِ
ما زلتِ يا حسناءُ فاتنةً
إنَّي أسيرُ إليكِ تحملُني
والشوقُ تدنو بي مراكبه
أنا هاهنا روحي متيمةٌ
وعلىٰ ثراكِ  تعودُ ذاكرتي
فإلىٰ متىٰ تنأىٰ وترتحلُ
أقصىٰ وزادكَ في النوىٰ علَلُ
ورمتكْ في أحضانها السُبُلُ
عُذرًا.. ووجهكَ خائِفٌ وَجِلُ
نَشوىٰ بهِ أيامنا الأُولُ
أين الهوىٰ والحبُ والغزلُ؟
هل سالَ فيهِ الخمرُ والعسلُ؟
والسهلُ.. والبيداءُ.. والجبلُ؟
والزَّهْرُ.. والزِّيتونُ.. والحُلَلُ
ما حالهم.. قلْ لي.. وما فَعَلُوا؟
ذابَ الكلامُ وضاعت الجُمَلُ
أم أنكرتْ أهدابها المُقلُ؟
تغفو علىٰ أعتابهِ القُبَلُ
أدنو إليكِ بها وأبتهلُ
إلا علىٰ خديكِ تكتملُ
وجراحهُ تعلو وتتصلُ
في كلِّ شبرٍ منه تنتقلُ
بكت الحياةُ وقهقهَ الأجلُ
وتقاسمتْ أطرافَنا الدولُ
ودماؤنا في القدس تُبتذلُ
“لاتٌ” ويَصلِبُ وجْهَنا “هبلُ”
يجري.. ولا ماءٌ ولا بللُ
وذوىٰ بها عودُ الندىٰ الخَضِلُ
تتجاذبُ الأهواءُ والمللُ
وتقطعتْ من دونها الحيلُ
ظلي.. فلا خيلٌ.. ولا إبلُ
قبلي لعلّي قبله أصِلُ
وعلىٰ جبينكِ يشرقُ الأملُ
كفُّ الرياحِ وخافقٌ ثَمِلُ
نحو الضفافِ وتومضُ الشُعَلُ
مذ خطها في لوحه الأزلُ
الأولىٰ وهذا الجرح يندمِلُ 

 

 

العدد الثاني

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. أبانت القصيدة عن مكنون خطير، هو أن جراحات الأمة ، على الرُّغم من أنها لا زالت ثاعبة راعفة، إلا أن الأندلس لا زالت تصهل فيها، متحدة مع بغداد، والبصرة، والكوفة، والموصل، ودمشق، وحلب، وحمص، وصور، وبعلبك، وطرابلس، وبنغازي، والقاهرة، والإسكندرية، وسيناء، وعمّان، وصُحار، والمنامة، وحضرموت، وصنعاء، والحرمين، والحجاز، والكويت، ومدن الخليج، وتونس، والقيروان، وقسنطينة، وتلمسان، والجزائر، وفاس، ومكناس، ومراكش، والرباط … غرناطة حاضرة، لا زالت مع الخيل الراكضة، مذبوحة الشريان، دماؤها نازفة، لكنها لا تسمح لنفسها بالعويل !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى