العدد الثانيمقالات

العلامة محيي الدين عبد الحميد

ملف العدد الثاني: العلامة محيي الدين عبد الحميد

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

(1)

العلامة محيي الدين عبد الحميد

في ذكراه الثامنة والأربعين

عصام الشتري

لمْ يدُر بِخَلَدي وأنا أعدُّ العدَّة لأكتبَ مقالًا عن جدِّي خالدِ الذِّكرِ: محمَّدِ محيي الدِّينِ عبدِ الحميدِ، أنْ أجِدَ كلَّ هذا المقة والوفاء الهاطل من طلبة العلم في كل عصر لشخص الشيخ الإمام، وقد كنت عزمت أن أدبج مقالًا أذكر فيه بعض ما لا يعرفه العلماء والأدباء عن الشيخ محيي الدين، بفضل صلة القرابة به، وأعلم أشياء لا يعلمها الكثير، لكن ما حداني وساقني للمضي في هذه المقالات: مقال قديم قرأته للواء العراقي “محمود شيت خطاب” عن كيف أن الناس في بلادي لا تحفل كثيرًا بالعلماء قدْر احتفالهم بالفنانين الممثلين، وأنقل لكم نص كلامه من كتابه: “الوسيط في رسالة المسجد العسكرية” يقول:

“أذكر أنني شهدت تشييع جنازة المرحوم الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في القاهرة، ومن الأقدار العجيبة أن أحد الفنانين توفي في نفس اليوم الذي مات فيه الشيخ محيي الدين عبد الحميد، وكان سرادقا الرجلين متجاورين، فكان في سرادق الشيخ أقل من عشرة أشخاص، وكان سرادق الفنان يموج بالآلاف.

وكان الشيخ في حياته المباركة من أكبر علماء الدين واللغة، وقد حقق كثيرًا من التراث العربي الإسلامي، وخدم العربية والإسلام خدمة باقية لمدة خمسين عامًا، أما الفنان فقد أفنىٰ هو الآخر خمسين سنة من عمره في إفساد الأخلاق وتشجيع التخنث والانحلال.

أهكذا يجازي العرب والمسلمون مَن يخدم العربية والإسلام خدمة صادقة بالعقوق والإهمال ويكرمون من ازدرىٰ العربية وحطم الخلق الكريم كما يكرم الأبطال والفاتحون؟ أهذه أمة تنشئ الأجيال؟

ولكن الذنب ذنب المسؤولين في الدولة عن الإعلام وعن التخطيط العام للدولة، لأنك تجد للفنانين والمخربين حصة الأسد في الإذاعتين المسموعة والمرئية، وفي المصحف والمجلات: أحاديث صحفية ومقابلات إذاعية وأخبار مستفيضة عن نشاطهم وتحركاتهم، ولا نصيب للعلماء المخلصين إلا كنصيب المتصدق بجزء ضئيل من أمواله علىٰ الفقراء، والمحتاجين”…

هذا المقال البديع هو الذي حرّك أشجاني وشجوني في تدبيج عدة مقالات للتحدث عن بعض الجوانب في شخصية الشيخ الإمام الذي كان له الأثر العميق في كل دارسي علوم العربية والقرآن في العصر الحديث… فما من طالب علم أو أستاذ أكاديمي في علوم العربية سواء أكان أكبر أم أصغر من الشيخ إلا والشيخ له فضل عظيم عليه طالما أنه عاصر الشيخ فلقد استفاد ونهل من علمه الغزير الذي أفاض الله به عليه.

وهو من جملة المحققين الذين منحهم الله -عز وجل- ملَكة يتيمة وفريدة لم يعطها السابق واللاحق من جملة المحققين… سبقه العلامة أحمد شاكر وعاصره وتتلمذ علىٰ يديه الشيخ عبد السلام هارون ومحمود شاكر، وكذلك تلاميذه في كلية اللغة العربية في الأزهر الشريف والذي كان عميدًا لها مرتين، منهم: محمود الطناحي ومحمد رجب البيومي وسعد ظلام وغيرهم.

أقول: إن العلامة محيي الدين عبد الحميد كان تواقًا لكل فروع التراث العربي والإسلامي، لم يكتف بعلوم العربية التي تخصص فيها، بل حقق في علم الكلام والمنطق والشعر والأدب والسيرة النبوية وتفسير القرآن والعَروض والفرائض والأحوال الشخصية، إضافة إلىٰ علم النحو والصرف، فهو كالنحل يحل ويقع علىٰ كل رحيق، فيرتشفه ويصيغه شهدًا مصفىٰ.

إطلالة قصيرة عن نشأته الأولىٰ:

١- ولد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في قرية كَفر الحمام المتاخمة للزقازيق بمحافظة الشرقية عام (١٣١٨هجرية) = (١٩٠٠ للميلاد)،  لعائلة من أصول عربية تننسب إلىٰ المناذرة بالحيرة، ومن سلالة الملوك، فالشيخ ينحدر نسبه الشريف إلىٰ الملك النعمان بن المنذر بن ماء السماء، فورث العزة والإباء والأنفة، وكانت “كفر الحمام” قديمًا تسمىٰ “نزلة النعمان” نسبة إلىٰ قبيلة الشيخ.

٢- نشأ في كنف والده الشيخ العلامة عبد الحميد إبراهيم المنذري الذي كان شيخًا للمعهد الديني بدمياط ثم شيخًا لمعهد الإسكندرية والذي كان ينافس الأزهر الشريف مكانةً وقتئذٍ، ثم ارتقىٰ دار الإفتاء عندما اختاره الملك أحمد فؤاد لهذا المنصب الرفيع من (١٩٢٠م) حتىٰ (١٩٢٢م) عام وفاة الشيخ الأب.

٣- نشأ الطفل محيي الدين في هذه البيئة العلمية فحفظ القرآن علىٰ يد الشيخ محمد سليمان أبو سعدة في كتّاب كفر الحمام وكان ذا نفس طلعة طموح تتوق للعلم النافع وأخذه من مظانه يهطع لمجالسة العلماء الذين يتوافدون علىٰ أبيه فظفر بعلم غزير منذ نعومة أظفاره… وكان يفاخر أباه فيقول: “أنا عالم ابن عالم، أما أنت فعالم ابن فلاح”… فيضحك والده ويحبر لذلك.

٤- ثم أن كان ودخل الأزهر وتخرج فيه عام (١٩٢٦م) في أول دفعة لكلية اللغة العربية بنظامها الجديد وكان الطالب الأول علىٰ دفعته… تدرج في العمل الوظيفي من مدرس بالمعاهد الأزهرية إلىٰ شيخ المعهد الديني بالزقازيق وكان من تلامذته الشيخ محمد متولي الشعراوي والشاعر طاهر أبو فاشا… ثم مدرسًا بكلية اللغة العربية وأصول الدين ثم وكيلًا للكليّتين ثم عميدًا لكلية اللغة العربية مرتين… ولولا سمة من سمات الكرامة عنده لَتقلّد شياخة الأزهر والذي رُشح لها أكثر من مرة ولم يشرف به المنصب.

٥- جاءت مؤلفات الشيخ وشروحه وتعليقاته آيةً من آيات الإتقان والدقة فلم يحظَ مؤلف محقق مثلما حظيت تحقيقاته بحسن القبول من طلبة العلم… فالباحثون يبدؤون قراءة تحقيقاته من أسفل قبل المتن الأعلىٰ، وذلك لطلاوة أسلوب الشيخ الذي منحه الله -عز وجل- ملَكة التحصيل والتأصيل والتوصيل فكان هذا الطود الشامخ فريدًا من نوعه فهو يحقق التحقيق للمتن الأصلي.. ينقح ويصحح فكتب الله لكتبه الذيوع والانتشار بين أهل العلم النافع.

٦- كان الشيخ عالمًا من علماء السنة النبوية فقد كان رئيسًا للجنة السنة النبوية بالأزهر وكذلك رئيس لجنة الفتوىٰ بالأزهر الشريف.

٧- وكما أوحىٰ الله إلىٰ النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون لارتشاف الضرب (العسل المصطفىٰ) كذلك كان العلامة محيي الدين فهو في الفقه فقيه لا يُبارىٰ حنفي المذهب ويحقق كتاب “نور الإيضاح” علىٰ المذهب الشافعي… كان من علماء اللغة فحقق “مختار الصحاح” ومن علماء الكلام فحقق “مقالات الإسلاميين” للأشعري وكان من علماء المنطق فحقق “السلم” للأخضري… ألَّف كتابًا في علم الفرائض وحقق “العمدة” لابن رشيق وهو كتاب جامع خزانة الشعراء… حقق في علم الأنساب وفي التاريخ “وفيات الأعيان”… وحقق “الموازنة بين المتنبي وخصومه” وأنصف المتنبي الذي كان من محبيه وحقق “الموازنة بين الطائيين الكبيرين”.

٨- كان موسوعة شعرية -وإن لم يكتب الشعر قط- تمشي بها قدمان، وكيف لا وهو ما أن يورَد الشاهد الشعري في بيت منفرد يَذكر البيت الذي قبله والذي بعده وينسبه إلىٰ قائله ثم يقوم بإعراب الأبيات بطريقة سحرية تملك شغاف القلوب والأفئدة.

٩- حقق جلَّ كتب النحو والصرف وهو أول من سهل تبويب النحو بعد أن كان النحو هائمًا في شعاب كتب المتقدمين.

١٠- حقق في اللغة والأدب: المثل السائر، وأدب الكاتب، ومقامات بديع الزمان. وكتبَ عن شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة.

١١- كان التواضع ديدنه والحصافة فهمه والفصاحة طريقته الفصحىٰ البعيدة عن التقعر فهو وإن كان يستهويه اللفظ الرصين إنما كان المعنىٰ هو شاغله الأول كيف يصل كلامه إلىٰ المتلقي في جمل بكيئة رصينة.

١٢- ذلك هو الشيخ العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد، والذي توفي في يوم ٢٨ من ديسمبر ١٩٧٢م، فسلام علىٰ روحه في الأولين وسلام علىٰ روحه في الآخرين وأنزل الله عليه شآبيب الرحمات في الغدوات والروحات وجعل النبي -صلىٰ الله عليه وسلم- فرطه علىٰ الحوض الشريف… اللهم آمين.

بعض ما قيل عنه:

  • العلامة عبد السلام هارون: “يكفيه فخرًا في النحو ويكفي النحو فخرًا به أنه عالج معظم كتبه المتداولة لتيسير دراستها وتذليل القراءة والبحث فيها بدءًا بالآجرومية و انتهاءً بشرح الأشموني للألفية”.
  • الدكتور سعد ظلام: “يشعر الجالس أمامه بأنه أمام عالم من علماء القرن الرابع الهجري”.
  • الأستاذ عماد غزير: “ما زال الداريون (الدراعمة) يفاخروننا نحن الأزهريين بأعلام محققيهم فنفاخرهم بالشيخ محيي الدين عبد الحميد فنفخرهم”.
  • العلامة محمد رجب البيومي: “ماذا عسىٰ أن يقول المنصف في مجهود مجمع كامل قام به فرد واحد فأي زمن اتسع؟ وأي نوم سلب؟ وأي راحة قضىٰ عليها حتىٰ وقف الرجل علىٰ صرحه العلمي الشامخ ليقول للناس بلسان الحال: هاؤم اقرؤوا كتابيه وقد قرأ الناس فوجدوا الخير الهاطل والنفع الجزيل”.

وأقول في ذكرىٰ وفاته الثامنة والأربعين: أي نحو وصرف تضعضع وأي بحر خضم ساخ وأي جبل أشم تصدع وأي نبت مزهر صوح وأي ضيغم هصور كل وأي وأي وأي.

مما لا يعلمه الكثير عن الشيخ:

١- أن الشيخ له تفسير لجزء عم .

2- أن للشيخ تحقيقًا علىٰ تفسير الزمخشري (مفقود).

3- أن الشيخ كان رئيسًا للجنة الفتوىٰ بالأزهر الشريف ورشح أكثر من مرة لمشيخة الأزهر ولم يتحقق ذلك لسمة من سمات الكرامة عنده.

4- أن معظم محققي التراث تتلمذوا علىٰ يديه سواء بالمشافهة أو عن طريق كتبه أمثال: عبد السلام هارون ومحمود شاكر والطناحي ورجب البيومي وسعد ظلام وغيرهم.

5- أن الشيخ محمد متولي الشعراوي كان تميذه في معهد الزقازيق الديني ثم تلميذا له في كلية اللغة العربية.

6- أن العلامة عبد السلام هارون شقيق زوجة الشيخ محيي الدين وخال أولاده.

7- أن الشيخ محيي الدين كان أحد مؤسسي جماعة أنصار السنة عام (١٩٢٦م) مع الشيخ محمد حامد الفقي والشيخ محمد خليل هراس.

 

 

 

(2)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

عميد المحققين وإمامهم

العالم الجليل الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد

إيمان الحريري

كان من أساتذة الأزهر البارزين الذين استقرت علىٰ أيديهم التقاليد الأكاديمية في التأليف والتحقيق والبحث العلمي والتدريس الجامعي، انتقلت إليه راية التحقيق من الشيخ أحمد شاكر، ونقلها من بعده إلىٰ شيخ المحققين عبد السلام هارون.

تولىٰ الشيخ عبد الحميد تحقيق الكثير من المؤلفات النحوية التي لم تر النور حقيقة إلا علىٰ يديه؛ ومنها مؤلفات ابن مالك وابن هشام وابن عقيل والسعد التفتازاني والأشموني، وقد قيل إنه كان إمامًا في القراءة، وإمامًا في النحو، وإمامًا في الحساب، وإمامًا في الحديث، مع إتقانه كثيرًا من العلوم الأخرىٰ كعلم الكلام والبلاغة. وإننا إذ ذكرنا بعض مآثره رحمه الله لَعاجزون عن أن نحيط بكل فضائله، وعن أن نفيه بعض بعض حقه علينا، ولا يسعنا إلا أن نقول: جعل الله ما قدمت للأمة وما تركت لنا من إرث ينير الدروب لكل طالب علم في ميزان حسناتك.

وأهدي إلىٰ الشيخ العلامة هذه الأبيات المتواضعة كعرفان علىٰ ما قدم لنا:

يا محييَ الدِّين أنتَ العالمُ العَلَمُ * بمثلِ علمك تُهدىٰ الناسُ والأممُ

كنتَ الأمينَ علىٰ إرث الرَّسول لنا * ما قصَّرتْ بك في غاياتها الهِممُ

قضيتَ دهرَك تحمي الدِّينَ في لغةٍ * فيها البيانُ كعقدِ الدُّرِّ ينتظمُ

وما توانيْتَ في التَّبليغ مُؤتمَنًا * لشرعة الحقِّ حتىٰ انجابت الظُّلَمُ

فاللهَ أسألُ أن يجزيك مغفرةً * وأن تنالكَ في جناتِه النِّعَمُ

 

 

(3)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

ريحانَةُ الأَزهرِ

د. باسم بلام

الحمد لله، وبَعد: تأَخَّرَ الرَّد، وامتدَّ حبلُ الوَعد، وليس يَحجُزُنِي عن الموافاةِ بالإنجازِ إلَّا ما يَعلَمُ العالمُ والجاهلُ من أَثَرِ مُشَتِّتَةِ الأذهانِ، ومبدِّدَةِ جُمَعِ الأَفكارِ.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ المَرْءَ طُولَ حَيَاتِهِ = مُعَنًّىٰ بِأَمْرٍ لَايَزَالُ يُعَالِجُهْ

تَرَاهُ كَدُودِ القَزِّ يَنْسُجُ دَائِبًا = وَيَهْلِكُ غَمًّا وَسْطَ مَا هُوَ نَاسِجُهْ

ممَّا أَوْرَثَ يَدَيَّ احتباسًا، فخَشيتُ أَنْ لا أَتوَّفَرَ علىٰ شَرطِ الإحسانِ ممَّا تَستَدعِيهِ أصولُ الكتابةِ الأدبيَّةِ، الَّتي لا تُعطِي من بعضها إلَّا بمقدارِ إيثارِكَ إيَّاهَا بجملَةِ ما فيكَ، وإقبالِكَ عليها بكُلِّيَّتِكَ.

ولكنَّ طلَبًا فكرتُهُ الشَّيخُ محمَّد محيي الدِّين عبد الحميد، ومُتَطلِّبُوهُ: حفيدُ الشَّيخِ الأستاذُ عصام الشَّتري، والأديبان المفتَنَّانِ محمَّد بركات وطاهر العلواني، قَمينٌ بأَنْ يُلَبَّىٰ موضوعًا وداعيًا.

إنَّ الحديثَ عن زَهرةِ الأَزهَرِ وريحانَتِهِ العلَّامة شيخ التَّحقيق والمحقِّقينَ محمَّد محيي الدِّين عبد الحميد (1900م-1972م) لَصَعبٌ أَيَّمَا صعوبَةٍ! فما وَجَّهتُ قلمي إلىٰ فكرةٍ ممَّا يَعْلَقُ بالشَّيخِ الإمامِ إلَّا ووَجدْتُهُ شَديدَ النِّفارِ، عصيَّ القَرارِ، كثيرَ الخداعِ، قويَّ النِّزاعِ، يَجفُونِي وَفَاؤُهُ، ويَفِي لي جَفَاؤُهُ.

علىٰ أَنَّني حُبًّا للشَّيخِ الَّذي رُبِّيتُ علىٰ كُتُبِهِ، أَرْغَمْتُ جَمُوحَ قَلَمي علىٰ الإسلَاسِ، فانْقَادَ لِجَامُهُ، وانْبَتَّ إحجامُهُ، فحَمدْتُ الله علىٰ النِّعمةِ أَنْ أَوْزَعَنِي شُكْرَ جميلِ شيخِ المحقِّقينَ، ولو بهذه القالَةِ القليلَةِ الأَلفاظِ، القاصِرَةِ الإِغْرَاضِ.

إنَّهُ ما احْتَازَ رجلٌ في العربيَّةِ الحديثَةِ من ذيوعِ الأعمالِ، ومَسير الكُتُبِ مشرِّقَةً ومغرِّبَةً في بلادِ العروبةِ المتراحِبِ، مثلَ الَّذي احْتَازَهُ شيخُ التَّحقيقِ علىٰ التَّحقيقِ: العلَّامة محمّد محيي الدِّين عبد الحميد؛ فما أَظنُّ أَنَّ مكتبةَ عالمٍ أو طالبِ علمٍ من المشتغلين بالعربيَّةِ العاليةِ استقلالًا أو تَبَعًا، تَخلُو من طائفةٍ من كُتُبِ الأستاذِ الجليلِ، ففَضلُهُ عليهم كفضلِ الشَّمسِ علىٰ سائِرِ الكواكبِ والأقمارِ، إذا طلَعَتْ ليسَ يَظهرُ من الوجودِ سوىٰ سبحاتِ نورها الَّتي تُضيء الآفاقَ المنظورَةَ وما وراءَ المنظورَةِ.

إِنْ أَنْسَ فما إِخَالُنِي أَنْسَىٰ أَيَّامًا جالستُ فيها أَحبَّةً علىٰ تدارسِ كتبِ الشَّيخِ، خاصَّةً (التُّحفَة السَّنيَّةَ) الَّتي كانَ مدخلي إلىٰ النَّحوِ علىٰ هَدْيِهَا، (وقَطر النَّدَىٰ) الَّذي رَوَىٰ ببَرَكتِهِ غُلَّتي، وأَبَلَّتْ ببَرْدِ نَدَاهُ عِلَّتي، فاهْتديتُ إلىٰ (شذور الذَّهب) اللَّمَّاعة، واغتنيتُ بأَعلاقِ (المغني) النَّفَّاعة.

لقد كان محمَّد محيي الدِّين عبد الحميد شيخًا في العربيَّة وآدابها، لسانُ الضَّادِ استَقَرَّ في وجدانِهِ بجلالِهِ، وتَبَرَّجَ في خيالِهِ بحسنِهِ وجمالِهِ، ومن فكرِهِ تمكَّنَ، وبيَرَاعتِهِ استَبَدَّ واستَحْكَمَ، فصارَ الشَّيخُ لا يَرَىٰ إلَّا بإنسانِ عينه، ولا يَتذوَّقُ إلَّا بطيبِ لسانِهِ، ولا يَسمعُ إلَّا بحديدِ آذانِهِ، ولا يَنْشَقُ إلَّا بشَمَمِ أَنفِهِ ورُوحِهِ، فَيَقيسُ من الحياةِ كُلَّ ما فيها بكُلِّ ما فيه، ويُرجِعُ من مسائِلِهَا إلىٰ أصولِهِ وقواعِدِهِ، فَيَزِنُ الأَقوالَ والأَفعالَ، والحركاتِ والسَّكَناتِ، بقسطاسِهِ العادلِ الَّذي لا يَشولُ، فإذا الضَّادُ حياتَهُ، وما حياتُهُ إلَّا ضادٌ فارعةٌ فينانَةٌ.

يَقولُ الشَّيخُ بلسانِ قلَمِهِ: «وإنِّي منذ عَلقتُ أَمْرَ الحياةِ شديدُ الشَّغَفِ بالعربيَّة، والحرصِ علىٰ استخراجِ كنوزها، واستنباطِ أسرارها: أَصلُ النَّهارَ باللَّيل باحثًا ومنقِّبًا، وأُدِيمُ السَّهَرَ، وأُطيلُ اليقظَةَ مراجعًا ومعاودًا، لا يَعتَرينِي في ذلكَ مَلالٌ، ولا يُدرِكُنِي ضَجَرٌ، ولا تَخطرُ السَّآمةُ لي ببالٍ…» (مقدِّمة تحقيقه لـ: جواهر الألفاظ لـ: قدامة بن جعفرٍ البغداديِّ، ص 04).

كَانَ بَحْرًا مِنَ المَعَارِفِ زَخَّا = رًا، وَذُخْرًا مِنَ الفُنُونِ جَسِيمَا

رَاضَ فُصْحَىٰ اللُّغَىٰ فَأُوتِيَ فِيهَا = مَنْطِقًا سَاحِرًا، وَذَوْقًا سَلِيمَا

رَافَقَ الكُتْبَ وَالمَكَاتِبَ دَهْرًا = وَتَقَصَّىٰ أَعْلَامَهَا تَعْمِيمَا

فَبَدَا عَصْرُهَا القَدِيمُ جَدِيدًا = وَبَدَا عَصْرُهُ الجَدِيدُ قَدِيمَا

كانَ للشَّيخِ طريقَتُهُ الفريدَةُ في تَيسيرِ كُتُبِ الأَسلافِ بنهجِ خطَّةٍ علَّمَهَا بمِيسَمِهِ، خلاصَةُ ما بُنِيَتْ عليه «تَقديمُ النَّصِّ المحقَّقِ علىٰ الوجهِ الَّذي تَغَيَّاهُ صاحبُهُ»، دونَ تَقحُّمِ بَهَائِهِ بالتَّعليقاتِ السَّمِجَةِ الباردَةِ، ولا المبالغَةِ في الاستكثارِ من الفهارسِ الَّتي لا تَخدُمُ المتنَ المحقَّقَ.

كيفَ لي أَنْ أَكتُبَ عن رجلٍ مجموعُ ما أَلَّفَهُ وحقَّقَهُ قارَبَ المئةَ كتابٍ من أصولِ التُّرَاثِ الوازنَةِ حِسًّا ومعنًىٰ، ففي النَّحو أَخرجَ: قطر النَّدىٰ، والشُّذور، والمغني، وأوضح المسالك، وشرحَي ابن عقيل والأشموني علىٰ الألفيَّة، والإنصاف…، وفي الأَدبِ أَحْيَىٰ: أدب الكاتب، والمثل السَّائر، ويتيمة الدَّهر، والعمدة، وزهر الآداب، والموازنة، وديوان ابن أبي ربيعة، وديوان الحماسة، وأبو الطَّيِّب ما له وما عليه، ونفح الطِّيب…، وأَخرجَ غيرَ هذه في: التَّرَاجم، والتَّاريخ، والفقه وأصوله، والعقائد، والحديث، والتَّفسير… ممَّا تَستثقِلُ تعدادَهُ أَقلامُنَا الكليلَةُ.

وأَكادُ أَجزمُ -والعذرُ صاحِبي- أَنَّ كُلَّ من قَرَأَ مقالي هذا لم يَقرأْ تحقيقاتِ الرَّجلِ وتآليفَهُ كاملةً، فكيفَ الظَّنُّ بمن عالَجَ نصوصَهَا حرفًا حرفًا، وقابَلَ نُسَخَهَا الخطِّيَّةَ كلمةً كلمةً، وسدَّدَ مقاصدَهَا، وأَوْضَحَ شواهدَهَا، وضَبَطَ مُشكِلَهَا، وفسَّرَ مُقفَلَهَا، ورَمَّمَ صَدْعَهَا، وأَلْحَمَ فَلْعَهَا، حتَّىٰ أعلَىٰ بناءَهَا، وتَمَّمَ إنشاءَهَا؛ فكأَنَّمَا ناجَاهُ سيبويه، وسارَّهُ ابنُ قتيبةَ، وناصَبَهُ ابنُ هشامٍ، أو كأَنَّهُ خالَلَ الهمذانيَّ، وآلَفَ ابنَ رشيقٍ، ونادَمَ المقريَّ؛ ودونَكَهَا مُقدِّماتِ كُتُبِهِ الملتمعاتِ، فقد سطَّرَتْهَا قريحةٌ عاشَتْ في الماضي أكثرَ من عيشها في حاضِرٍ أَعْجَمَ أَغْتَمَ، فجاءَ بيانُهُ عربيًّا، وفكرُهُ يَعربِيًّا، ولا غَرْوَ أَنْ «كُتِبَتْ بَدَائعُهُ علىٰ الأَحداقِ». وصدَقَ شوقي لمَّا شمَخَ (الأزهر الشَّريف) بشموخ (رائيَّتِهِ) الخالدة:

قُمْ فِي فَمِ الدُّنْيَا وَحَيِّ الأَزْهَرَا = وَانْثُرْ عَلَىٰ سَمْعِ الزَّمَانِ الجَوْهَرَا

وَاجْعَلْ مَكَانَ الدُّرِّ إِنْ فَصَّلْتَهُ = فِي مَدْحِهِ خَرَزَ السَّمَاءِ النَّيِّرَا

وَاخْشَعْ مَلِيًّا وَاقْضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ = طَلَعُوا بِهِ زُهْرًا وَمَاجُوا أَبْحُرَا

كَانُوا أَجَلَّ مِنَ المُلُوكِ جَلَالَةً = وَأَعَزَّ سُلْطَانًا وَأَفْخَمَ مَظْهَرَا

وإنَّهُ قد ضاقَ المرتكَضُ، وحَرِجَ المجالُ، وإلَّا فإنَّ الشَّيخَ حقيقٌ بأَنْ تُدَوَّنَ فيه البحوثُ الجليلَةُ، والدِّرَاساتُ الأَصيلةُ، ولكنَّهُ جهدُ المُقِلِّ، مشفوعًا بأعذارٍ كثارٍ أَوَّلُهَا وأَشَقُّهَا التَّدريسُ الَّذي اسْتَنْزَفَ منِّي شهوةَ الكتابةِ، يَسَّرَ الله لي عَوْدًا محمودًا إليها.

فاللَّهُمَّ ارْحَمِ الشَّيْخَ كِفاءَ ما خدَمَ دينَكَ ولسانَ كتابِكَ وشرعِكَ، فإِنَّهُ لا يَكفي جزاءَهُ إلَّا جزاؤُكَ، وأَحِلَّهُ من الجنانِ أعاليَهَا، ومن الفراديسِ بحبوحَتَهَا.

 

 

(4)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

فخر الأزهر محمد محيي الدين عبد الحميد

محمد بركات

 إن السابق سابق وهو المقرَّب، والتالي تالٍ وإن شأىٰ وتغلّب، ولقد دبَّجَت يراعة الصديق البليغ، والباقعة النابغة طاهر العلواني، مقالة وجهّها إليّ وإلىٰ صديقنا الدكتور البحاثة الأديب باسم بلام، فضرب أعزه الله عصفورين بحجر، وكلفني وإياه الرد عليها بمثلها ولعمري لَإن كان لصاحبها مِثلٌ إذن لكان لها من المقالات مِثلٌ، وإني لأنشد مع المتنبي قوله:

تقولين ما في الناس مثلك عاشقٌ ** جِدِي مثل من أحببتُه تجدي مثلي

فطاهر العلواني رجل ضَرَبت حوله البلاغة بسور من المهابة، ويخلبنا حرفه خلبًا وإن قلنا: (لا خلابة)، فكأنما الحروف معه حِراب في يدي أُسْوار، يرمي بها عُون المعاني والأبكار، فما لي ورجل تَحبِس حين قراءته أهلُ “الفيس” أنفاسَها، وتؤمُّه الحروف من كل معجم عميق لتقضي تفثها، وحسبك علمًا بنفسية رجل يجري في مضمار وهو يعلم أنه لا شك مهزوم، فليس الإمام -في أي فن كان- كمن هو مأموم..

وكيف لي أن أخوض وراءه لجج البحار، وقد رست بواخره في أمان بعد أن سجر فيها النار، وأنا محاط من أمامي ومن خلفي بجبلين راسخين: فأمامي العلواني ومن ورائي الباسم، وأنا بينهما كحبة بين رحوين، لا أدري من أين المجيء ولا المذهب أين؟ وأين حروفي العجائز علىٰ المناسئ متوكئة، من حروفهما الشواب (الباسمات) (الطاهرات) المتوضئة؟ فأنا بين أمرين أحلاهما مرّ، فإن انسحبت قالوا: عجز وتقهقر، وإن رددت قالوا: جاوز قدره وتهور، ولولا أنه طلب أن أقول في عَلَمٍ من أحبّ الأعلام إليّ هذه المقالة، لما ترددت لحظة في طلب الإقالة، ولكنّ للشيخ محيي الدين في عنقي (مفردات) من المنن جسيمة لا يحدّها كتاب، و(جُمَل) من الفضل تجلّ عن الإعراب، فقد فصل بين مبتدئي وخبري كجملة الاعتراض، ووجه نحوي نحوَ النحو فجعلني من أولي الألباب..

فلقد كان أترابي في الثانوية الأزهرية يقرؤون كتاب “شرح ابن عقيل” من أعلاه، وأما أنا فكنت أقرؤه من أدناه حبًّا في حاشية الشيخ محيي الدين، فقد ذلل لي الألفية، وجعلها كالفتاة البهية، فتارة يعرب الأبيات إعرابًا، فتصير ثيبات بعدما كانت عربًا أترابًا، وأخرىٰ يشرح معاني الشواهد فترىٰ شهدًا مذابًا، وثالثة يسرد سيرة حياة الشاعر فأتمنىٰ أن لو كنت سيل قلمه، ونتاج قريحته، ومزاج عقله وعلمه، ولم يكن رحمه الله يكتفي بالإضاءة السريعة واللمحة الخاطفة، بل كان يصنع مع الكتاب كتابًا، فتكون مع المتن كمَن أصاب أكلا، ومع الحاشية كمن وجد شرابًا، فإن اعترضت حلقك لقمة، أسغتها بالشراب، فلا يصلح أحدهما بدون الآخر.

وهو رحمه الله متعدد الفنون والأفانين، كحديقة حوت من كل الزهور والرياحين، وهو عالم موسوعي بما تحمله الكلمة من معنىٰ، فله في البحث والمناظرة كتاب، وفي الفقه وأصوله، والتفسير، والسنة وشروحها، والتاريخ الإسلامي، والشريعة الإسلامية، له في كل ذلك كتب يُرجع إليها، ويعوَّل في الاختلاف عليها، وله شروح في الشعر، ولقد سد ثلمة كبيرة بشرحه ديوانًا من أهم دواوين الشعر العربي، وهو ديوان الشاعر المدلل عمر بن أبي ربيعة، فكان بستان شرح الشعر وربيعه، وقد تجلىٰ فيه فهمه الثاقب، وعلمه بالطبيعة العربية وإحاطته بها من كل جانب.

لقد كان رحمه الله -كما قيل- جامعة تسعىٰ علىٰ قدمين، فما من أحد تعلق بالنحو إلا وللشيخ في قلبه علقة، ولقد أتىٰ حين علىٰ الأزهر وتحقيقات الشيخ تملأ مناهجه.

وإن أولىٰ الناس لعمري بالتبجيل، من يربون الناشئة بالعلم جيلا بعد جيل، أولئك هم محيو الأمم، كما تحيا بعد موتها الرمم، ورافعو في زمن الضعف الهمم، تعب الزمان منهم وما أتعبهم، وأعجب الأمور أن الزمن لا يخلد إلا مناوئيه، ولا يطمس إلا ذكر من جارَوْه وتماهوا فيه.

فرحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه ومستقره، اللهم آمين.

 

 

(5)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

الشيخ الإمام

طاهر العلواني

كتبتُ اليومَ إلىٰ الأستاذَين الأديبَين محمد بركات، و باسم بلام، باعثًا علىٰ التحريكِ والاستنهاضِ أن يمسكا بعِصَمِ المعاني، وهما في ناصيةِ القومِ وسنامِهم، تَوفَّىٰ لهما نصيبُهما من الفصاحةِ، وتوفَّرَ عليهما حظُّهما من الإصابةِ، بألفاظٍ موزونة معدَّلةٍ، ومعانٍ مقسومة مهذَّبةٍ، علىٰ حُسن تأليف وسياسة، وترتيبٍ ورياضة، أن ينظرا فيما لو استطعتُ لأنشبتُه في صخرةٍ، أو نقشتُه في عُلقةِ فؤادي، أو أودعتُه في سوس نفسي، علىٰ أن تكونا لي عند معتلَج النقا؛ فذاك أثبتُ لحسنِه وأرسخُ لجوهرِه، ولستُ أشكُّ في أنّكما أوقىٰ في انتقاء المعنىٰ، وأحصنُ في تخيُّر اللفظِ، وأبهىٰ في تأليفه، وأهيأ لتهذيبِه، ممّن لا عنايةَ له بمحاسنِ الكلِم وجواهرِه، وملَحه ونوادرِه، وممَّن يعلو بيانُه مرّة ويسفلُ، فمُعوَجٌّ منه ومستقيمٌ، وزائفٌ وسليمٌ.

لم يزلِ التدوينُ أنبلَ ما تُحفظُ به المآثرُ، وأشرفَ ما تُحبَسُ فيه المفاخرُ؛ به حُفظَ القرآن وبقي التاريخُ، حتىٰ ترادفتِ الآياتُ والحِكم، وتواترتِ العجائبُ والعِبر، وإنما انبسط التفاضلُ وعظُمَ التفاوتُ حتىٰ عُدَّ ألفٌ بواحدٍ، مِن أجلِ ما ترىٰ عليه الناسَ بين آخذٍ للأمرِ حفلتَه مستبِدًّا به، حتىٰ صافحتْه أيدي الفصاحة، وشافَهه لسان البراعة، وبين مأخوذٍ عن البيان بالأُسرِ والحُصْرِ، لا تجد أضعفَ منه عقلًا، أو أتمَّ رقاعةً في زعم الاستفذاذِ بالمزيّة والفضلِ، فذاك رفعَه السبقُ، واحتمالُ ما يشقّ، وهذا قصّر به التأخر، أحبّ أم كره.

ولقد كان الشيخُ الإمامُ محمد محي الدين عبد الحميد -رحمه الله- من أعذب الناس لفظًا، وأوضحهم طريقةً، وأحكمهم بنيةً، عالمًا بنظائرِ الكلام وأشكالِ المعاني، علىٰ وثاقةٍ في الرأي وتصرّفٍ في الفضل، نزَر العلومَ تقصِّيًا واستيعابًا حتىٰ أُشرِعتْ له، فما باينَه فيها أحدٌ إلا بان عليه، ولا شادّه إلا غلبَه، وهذا صنيعُ من تنجَّزَ للعلمِ مع لزوم القصد وترك الانثناء، كأنما أَرسل الألفاظَ في طلب المعاني، فصار ردفًا لها في أمرها، وشرَكها في سلطانها علىٰ البلاغة. ومَن طالَع مقدماتِه للكتبِ، فضلًا عن تحقيقاتِه الشريفة، علمَ صدقَ ما أقولُ.

كادَ هذا الإمامُ الجليلُ يكافئُ الأكْفاءَ من القدماءِ، بما أنعم الله علَيه من لَطيف العناية وجزيل النظر، بعلمٍ دقّ جليلُه، وبعُد خطْرُه، أنفذَه في كتبِه إنفاذَ السِّنان، علىٰ عدالتِه ونُبلِه، وتوقّيه وورعِه، فكان ذاك أعقدَ في الإيضاح، وأوكدَ للاحتجاج، وأذهبَ في الإغراء، وأمضىٰ في التحريض، فانقطعَ إلىٰ دواوينِه قبصُ الرمل، وقد بلغت كلَّ ما بلغَه ظلفٌ أو حافرٌ، حتىٰ قصدَ الناسُ إلىٰ مجالستِه، ورغبوا في مساجلتِه.

ولا يزالُ خيرُه مذخورًا لعقبِه ما مرَّ الفتيان، ونفعُه ماضيًا في الخلق ما تعاقبَ الملوان، إلا عندَ مَن قنَّعه اللهُ بالخزي، وغَبِيت عليه الجذعةُ في عينِه، أو مَن سعىٰ إلىٰ العلم لا لحاجة، وسار في فجاجِه لا لبُغية، وهذان معدودان في الشواذّ، وليس للشاذّ قياسٌ.

 

 

 

(6)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

فخر المحققين وشيخ شيوخ اللغة

العلامة محمد محي الدين عبد الحميد

عبد العزيز أبو زيد

كلفني سيدي الأستاذ عصام الشتري كتابة كلمة عن جده فخر المحققين وشيخ شيوخ اللغة العلامة محمد محي الدين عبد الحميد -طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه-، والله يعلم أنني أشرف ويعلو قدري إذا تكلمت عن الشيخ، فهو أشهر من الشمس في ضحاها، فكل من جاء بعده عيال علىٰ كتبه وتحقيقاته في شتىٰ العلوم، فقد وهب عمره وأفناه في إخراج كتب التراث في حلة قشيبة خالية من التصحيفات والتحريفات ناصحًا لأمة محمد صلىٰ الله عليه وسلم، وممهدًا الطريق لطلبة العلم الشريف، واضعًا أشهر كتب التراث علىٰ طرف الثمام، ومزينًا إياها بتعليقات نادرة توضح ما أغلق من معانيها، وتكمل ما نقص من مبانيها، وتسند الأقوال لقائليها، وتصوب ما فرط من أقلام مؤلفيها، مع تواضع جم، وحب لطلبة العلم، معرضًا عن أهل الذم.

وإنك لو طالعت قائمة ما حققه في عمره المبارك لتبين لك قدر الرجل الذي لا يطعن فيه إلا أحد رجلين: صاحب غُمر جاهل، أو ذي غِمر متجاهل، وكلاهما عليه لا يعول، وكلامه يطوىٰ ولا ينقَل.

وأستغفر الله أن قصرت في كلمتي، فوالله إن الرهبة قد ملأت قلبي، وألجمت لساني وقلمي، واللهَ أسأل أن يجمعني به في الجنان، لأقبل رأسه علىٰ ما بذله لخدمة أمتنا ولغتنا وديننا.

 

 

(7)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

الشيخ الجليل

العلامة محيي الدين عبد الحميد

د. منيب ربيع

دعاني أخي الفاضل الكريم الأستاذ عصام الشتري إلىٰ كتابة كلمة عن الشيخ الجليل محمد محيي الدين عبد الحميد في ذكرىٰ وفاته، والحديث عن الشيخ الجليل حديث محبب إلىٰ النفس؛ لما فيه من طلب نزول الرحمة، فقد قال الثوري رحمه الله تعالىٰ : «عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة»، وإن لم يكن أهل العلم الذين أخلصوا في طلبه وبذلوا الغالي والنفيس في نشره مِن الصالحين فمَن يكون؟ كما أن في الحديث عن الشيخ -رحمه الله- إقرارًا بفضله واعترافًا بجميل صنعه؛ إذ أحسن إلىٰ طلاب العربية أيما إحسان بما أخرج من كتب، وشرَح من مصنفات، وأعرَب من شواهد، وتمَّم من مباحث؛ فيسَّر لطلاب العلم ما كان عليهم عسيرًا، وقرَّب إلىٰ عقولهم ما كان بعيدًا، فلا يستطيع واحد من أبناء هذا الجيل ممَّن درَسوا النحو أو درَّسوه أن ينكر فضل الشيخ الجليل، فمِنْ كُتبِ هذا الرجل الفذ تعلمنا، وبعلمه الغزير أكلنا، إي وربي، إننا -نحن معاشر معلمي العربية- نأكل بعلم هذا الرجل، فمنا من يذكر ذلك محسنا في ذكره، ومنا من ينساه مسيئًا في نسيانه.

وقد حاولت في هذه الكلمة الموجزة أن أتلمس شيئًا من صفات الرجل الكبير، وأول ما يمكن تلمسه من صفاته إخلاصه النادر، وكأنه كان يصف نفسه حين قال عن ابن هشامٍ الأنصاري : «ولابن هشام مصنفات كثيرة كلها نافع مفيد، تلوح منها أمارات التحقيق… وتطالعك من روحه علائم الإخلاص»، فأمارات التحقيق وعلائم الإخلاص تلوح من مؤلفات الشيخ الجليل رضي الله عنه، وترىٰ ذلك رأي العين في قوله في مقدمة شرح ابن عقيل: «وقد أردت أن أقوم لهذا الكتاب بعمل أتقرب به إلىٰ الله تعالىٰ»، وحسبك دليلًا علىٰ هذا الإخلاص العزيز بقاء مؤلفاته هذه الأزمنة المديدة تتعدد طبعاتها ويتلقاها طلاب العلم ويفيدون منها ويدعون لصاحبها، وإذا صدقت المقولة الذائعة: (يطبع الكتاب علىٰ قدر إخلاص مؤلفه) علىٰ أحد من المؤلفين فإنها أصدق ما تكون علىٰ الشيخ محيي الدين عبد الحميد.

ومما يمكن تلمُّسه من صفات الشيخ الجليل عمَله الدؤوب ومواصلته البحث والكتابة والتأليف، مذ كان في الخامسة والعشرين من عمره، فقد كان أول كتاب وضع فيه يده الكريمة ويمينه المباركة هو كتاب (مقامات الهمذاني) الذي أخرجه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وظل علىٰ ما أخذ به نفسه من الجد والإتقان حتىٰ آخر حياته المباركة، وتشهد بذلك جلسات مجمع اللغة العربية التي احتفظت مجلداتها بأقوال الرجل وآرائه، وردوده ومناقشاته وهو في آخر أيامه.

ومن دلائل عمله الدؤوب أن كَتبَ حواشيه علىٰ شرح شذور الذهب لابن هشام في شهرٍ واحد، وكتبَ حواشيه علىٰ شرح جوهرة التوحيد في بضعة أيام.

ومن صفات الشيخ -رضي الله عنه- حرصه علىٰ إفادة الطالبين ونفع الدارسين، مع حب لهم ورحمة بهم وشفقة عليهم، وتلمس ذلك كله في نحو قوله: «وهنا أمران أنبهك إليهما»، أو: «وهنا أمور أنبهك إليها»، وفي نحو قوله: «فاحفظ هذا كله وكن منه علىٰ ثبت والله يتولاك»، وفي نحو قوله: «والله يرشدك»… إلىٰ غير ذلك من عباراته التي تناثرت في حواشيه، وهي عبارات يخاطب بها الأب أبناءه؛ حبًّا فيهم، وحرصًا منه علىٰ ما ينفعهم.

ولا تخطئ عينٌ نظرت في حواشي الشيخ -رحمه الله- ثم نظرت في غيرها من كتب أهل العلم أن تدرك أن الشيخ قد يسَّر كثيرًا من المباحث وقرَّب كثيرًا من المسائل بلسان عربي مبين يجمع المتعة إلىٰ الفائدة.

ولا أريد أن أختم هذه الكلمة الموجزة في حق الشيخ قبل أن أستمطر شآبيب رحمة الله علىٰ الأستاذين الكبيرين: محمد رجب البيومي، ومحمود محمد الطناحي، فهُما مِن خير مَن أنصف الرجل وذبَّ عنه، الأول في كتابه: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، والثاني في كتابه: مدخل إلىٰ تاريخ نشر التراث العربي؛ فعليهما وعلىٰ الشيخ رحمة الله ورضوانه وسلامه وبركاته .

 

 

 

(8)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

المَقامةُ الحَمِيديَّةُ

ذِكرىٰ وفاةِ شيخِ العربيّةِ

محمد حمدي الشعار

حدّثَنا البدرُ الوضّاءُ، والقمرُ الضّأضَاءُ، مُعتصمُ بنُ شَيخِنا مُقيلِ العِثارِ، مأمونِ الجَنابِ مكفيِّ الجارِ، مُحمّد حمدي الشّعارِ، وصَحنُ المَسجدِ (العمريِّ) ساعتئذٍ ليسَ فِيهِ فُسحةٌ لِـقدمْ، والنّاسُ تضطرِبُ فِيهِ اضطِرابَ الحِمَم: بأنّ اللَّٰهَ قد هيَّأَ لهُ مِن أسبابِ البلوغِ، ما حصَّلَ بِه عُلومَ العربيّةِ فنبغَ فيها أيَّمَا نُبوغْ، بتلقّيهِ وأَخذِه عنِ العالمِ الخِرِّيتِ، مَعلومِ القدرِ ذائعِ الصّيتِ، شيخِ العربيّةِ وحاملِ لوائِها، ومُنقذِها ممَّا أَلَـمَّ بِها مِن لَأوائِها، العلّامةِ العَلَمِ المُتصرِّفِ في وُجُوهِ الكلامِ، صاحبِ التّصانيفِ والتّآليفِ العِظامِ -مُحمّد محي الدينِ عبدِ الحَميدِ- ذي القدرِ السّنيِّ، والمَقامِ العَليِّ، والعُنصُرِ المجيدِ، وارثِ عُلومِ الرِّسالةِ والنّبُوَّةِ، ماجدِ الأخوّةِ والبنوّةِ والأُبوَّةْ، عليهِ مِنَ اللَّٰهِ شَآبيبُ الرَّحَموتِ، والعفوِ والغُفرانِ مِن ذِي الملَكُوتِ، وكانَ أوحدَ عصرِه، وأمجدَ مِصرِه؛ فَـبذَّ شيخُنا أقرانَه بِحُسنِ صحابتِهِ، وتَصدَّرَ المجلسَ في حَلْقَتِه، ثُمّ لمْ يَلبَثْ أنْ سَلَّمَ وانصرفَ، والقومُ يَنْتاشُهم الفُضولُ ويقتادُهم إلىٰ المزيدِ الشّغف.

 

 

 

(9)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

في ذكرىٰ وفاة الركن النحوي الأجلّ العظيم

سيدنا الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد

أحمد عبد الحميد

 أذكرُ منّتَه التي قلّدنيها في عُنقي، حين أمسكتُ يومًا، وأنا في الكلية، بشرح ابن عقيل يرحمه الله علىٰ ألفية ابن مالك، فألفيتُني كلما استغلق عليّ شيءٌ من شرح الإمام فزعت إلىٰ «منحة الجليل»، تلك الحاشية العظيمة التي نوَّرَ بها هذا الشرحُ، وزاد ضياؤه، فأجده يأخذ بيدي فِعلَ الأستاذ البصير الذي يكتنف طالبه المقرَّب، فيحكي له مسائل العلم من مبتدَئِها، من حسِّها وبسِّها، فيُسيغه إياها شرابًا هنيئًا مريئًا.

لا أجدني بعد كل هذا، وبعد أن خبرت من كتب هذا الفن ما خبرت إلا مستذكرًا منَّةَ هذا الرجل عليَّ وعلىٰ كل آخِذٍ في طريق الانتحاء في أوله ومنتهاه.

واعلمْ أن الرجل كان يصطفي لك من كلام أهل العلم ومن مسائلهم وعللهم ويجمعه لك ببصيرة نحويّ حاذق، مضطلع بهذا الفن، ومُنتهٍ في غايته إلىٰ نهاية بعيدة الغور.

رحم الله الشيخ العظيم، فكم أحيا عقولًا وأفئدةَ، وكم بصّر السالكين بدروب هذا العلم، وجعل لهم معراجًا مستقيمًا إليه.

 

 

 

(10)

ملف العدد الثاني:
العلامة محيي الدين عبد الحميد

مسك الختام

عصام الشتري

  1. الإخلاص لله ولدينه هو ديدن الشيخ الجليل، فخلد الله ذكره بين الناس وكذلك إخلاص محبي الشيخ فخرجت كلماتهم كالضياء.
  2. لم يدُر بخلدي يومًا مقدار هذا المقة والحب الخالص للشيخ، فتبارىٰ المحبون في ملحمة لو نُشرت في كتاب لنفدت طبعاته الواحدة تلو الأخرىٰ.
  3. لبىٰ المحبون طلبي في تقريظ الشيخ الجليل، فكانوا كالنحل الذي امتص الرحيق ليحيله عسلًا شهيًّا، منهم: الأديب الكبير باسم بلام، والأديب الكبير محمد بركات، والأديب اللغوي الأريب طاهر العلواني، والدكتور المحقق العلامة منيب ربيع، والأستاذ اللغوي أحمد عبد الحميد، والأستاذ الشاعر محمد حمدي الشعار، والأديبة الشاعرة “شام الهوىٰ” إيمان الحريري، والأستاذ الكبير عبدالعزيز أبو زيد… فجزىٰ الله كلَّ خير جميعَ مَن أحيوا ذكرىٰ الشيخ.
  4. هناك قضية حدَّثني بها غير صديق، وهي (سرقة) كتب الشيخ، فأخبرني أحدهم أن المعاهد الأزهرية للمرحلة الثانوية سطت علىٰ كتاب من كتب الشيخ وهو شرحه علىٰ ابن عقيل، دون عزو ذلك إليه، ووضعت أسماء لأساتذة محْدَثين، وزعموا أنهم مؤلفو الكتاب، وأنا لم يتسنَّ لي المقارنة بين النسختين، نسخة الشيخ محيي الدين، ونسخة الأزهر، حتىٰ أتأكد من دقة الكلام، فإن كان ذلك حقًّا فأين حقُّ الشيخ؟! ومع أن العلمَ رحم بين أبنائه، إلا أن ذلك لا يمنع ذِكر اسم الشيخ علىٰ كتب المعاهد الأزهرية، فهذا أقلّ شيء يكرم به الشيخ.

وأخيرًا، فسلام علىٰ الشيخ في الأولين وسلام عليه في الآخرين… واللهم ألحقنا به في الصالحين تحت راية النبي الأمين فرطنا علىٰ الحوض الشريف…

 

****

 

اقرأ أيضًا في مجلة روى:

عند باب الشيخ محمد

من يوميات محقق

 

ولتحميل العدد الثاني كاملًا اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى