العدد الأولمقالات

في الإعجاز البلاغي

 

ما برعَ العربُ في فنٍّ مِن الفُنون مثلَ ما بَرعوا في تصْريفِ القَولِ وتَحْبيرِ البَيانِ، يَقولونَ اختيارًا، ويُبْدِعون اقتِدارًا، حتَّى كَثُر فيهم الشُّعراء، وفَشا فيهم الفُصحاء.

وما عَرَفت الدنيا سُوقًا للشِّعرِ إلا في أنديةِ العرَب، وكانتْ للنابغة الذبياني قُبّةٌ من جِلْدٍ في سوق عكاظ، يأوي إليها الشعراءُ من كل حَدَبٍ وصَوْب، وهو يَسمعُ منهم، ويَقضي فيهم بِحُكمه، فيقدّم مَن شاء، ويؤخّر من أساء، وما خبرُ حسّانَ من ذلكم ببعيد.

نزلَ القرآنُ الكريمُ على النبيِّ الأمينِ والعربُ على قلبِ رجل واحدٍ في فصاحة اللِّسان وعَراقة البيان؛ فشغلَهم أمرُه، وأدهشهم خبرُه، وأذهلتهم بلاغتُه، وجابههم القرآنُ بالتحدِّي كِفاحًا على أن يأتوا بقرآن مثله أو بِعَشْر سوَرٍ من مثله أو بسورةٍ واحدةٍ من مثله، فحَصَرَت صُدورُهم وخَرِسَت أَلسنتُهم ولَزِمتْهُم حِينئذٍ الحُجّة.

على أنّ أمّة العربَ كما أجادتْ صناعة البيان سَجيّةً أجادتْ نقدَه جِبِلّةً، واسْتدراكاتُهم على الشعر والشعراء معلومة مشهورة، وهُم الذين استمعُوا إلى آياتٍ من الفرقان تُتْلَى على فتراتٍ من الوحْى تَتْرَى، وما وقفوا فيه على لفظٍ قاصرٍ ولا مَعنًى ساقطٍ، مع اتساع مسالك القَول في القرآن الكريم، وكثرة علومه ومعارفه، كالقصص والأمثال والوعظ والإرشاد والوعْد والوعِيد والحلال والحرام والجنة والنار…

ولا خلاف بين علماء العربية في أنّ القرآن الكريم مُعجزةٌ بيانيّة مَعنًى ومَبنى، ومن جوانب إعجازه الباهرة تَخيُّر مُفرداته، وسلامتها من الضّعف والابتذال، حيث تتنزَّلُ كلُّ مفردةٍ في مكانها اللائق بها الذى لو أُزيل عن مَوْضعِه أَتَى منه إمّا خللٌ فى المعنى أو ذَهابُ رَونقِ الفصاحةِ، وسنشفع التنظير بالتطبيق حتى يكون الناس على بَينة وبُرْهان -إن شاء الله-.

تطبيق:

فمن وجوه إعجازه تَخيُّر مفرداته، وأعني بتخيُّر المفردات في القرآن الكريم: دقَّة اللَّفظ في مَوقعه، ومطابقته لمعناه، وسلامته من الضعف والابتذال.

والمفردة القرآنيَّةُ تختصُّ بمَزايا عديدة، فمنها ما يدلّ على المعنى بأصوات الحروفِ وجرسِها، ومنها ما يدلّ على المعنى بالإيحاء والظلال، ومنها ما يصوِّر المعنى بطريقة التجسيد والتخييل والتشخيص.

ولنشرع الآن في بيان ذلك على نحوٍ من اليُسر في المقال مراعاة لحال القارئ المُثقّف الذي يحرصُ على أن يُصيب من كلّ فنّ بطرفٍ.

ولا ريب أنّ دلالة الكلمة المفردة تفتقر دائمًا إلى ملاحظة السياق، فهو الروح التي تسري في الكلمة، وتمنحها الحياة بعد الموت، والحركة بعد السكون، كما أنّ الكلمة تختلف من سياق إلى سياق، وتحسن في موقع، وتقبح في غيره.

وكلُّ لفظِ اسْتعارةٍ في القرآن الكريم فيه من المعنى ما لا تنهض به الحقيقة، كقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} من سورة الأنعام، أيْ: فالق ظلمة الليل بنور الصباح، والفلْق في هذا السياق أبلغ من لفظ الحقيقة كالشقّ ونحوه، ولأنه قال في الآية قبلها مباشرة: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ} لِيُزاوج بين الآيتين في اللفظ المعنى.

وفي قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} من سورة البقرة، ولفظ الاستعارة أبلغ لأنّ الإفراغ فيه معنى الكثرة وزيادة، والمقام هنا يقتضي صبرًا من نوعٍ خاصٍّ، ولقاءُ العدوِّ مَوطنٌ تزلُّ فيهِ الأقدام.

ولفظ (عَقيم) في قوله تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} من سورة الذاريات، استعارة بليغة، أي: الريح التي لا تلْقح شجرا، تشبيهًا لها بالمرأة العاقر أو الناقة العقيم التي لا تنتج ولدا، وهو لفظ له إيحاءٌ وظلالٌ نفسية كثيفة.

وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} من سورة الحِجْر، واللفظ مأخوذ من صَدْع الزّجاج، والصدْعُ تباينٌ وانفصالٌ تامٌّ، والاستعارة أبلغ للإشارة إلى أن البلاغ المأمور به -صلى الله عليه وسلم- هو البلاغ المخصوص، النافذ إلى القلوب، والذي يظهر أثره كتَبايُنِ صَدْع الزجاج ونحوه.

وقد تستقلُّ المفردةُ القرآنيةُ وحدها بتصوير مشهدٍ كاملٍ بجرسِها وأصواتِ حُروفِها، كما في قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} من سورة فاطر، وفي جرْس الكلمةِ (يَصْطَرخونَ) ما يوحي بتداخُل الأصواتِ بَعضها في بعض، مما يَجْمعُ على الكافرين في الآخرة بينَ العذاب البدنيّ والإيلام النفسيّ.

ولفظ (يُدَعُّونَ) في قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} من سورة الطور، والدَّعُّ: دفعٌ شديدٌ لا يخلو مِن عُنفٍ، وفيهِ إيحاءٌ بالسخرية والإهانة، وكله مقصود في هذا السياق، سياق التحذير والتهديد.

وقد يَستعملُ القرآنُ الكريم ألفاظًا معيَّنةً بقصدِ النَّزاهة التعبيرية، وذلك في بعض المَواطن الَّتي لا يُستحبُّ فيها التصريح، وهذه المفردات تمتاز بظلالها الكثيفة الموحية.

وهو أمرٌ يَشيع في الحديث عن العلاقات الزوجية من مثل كلمة (أَفْضَى) في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} من سورة النساء، وهي كلمة تَختزلُ في رحمها كثيرًا من المعاني في تصوير العلاقة بين الرجل وأهله.

والإفضاء لفظٌ يتَّسعُ في دلالته لتصوير العلاقة الحسِّيَّة والمَعنويَّة بين الزوجَيْن، وهو مقصودٌ في هذا السياق؛ لما يثيره في نفس الرجل من معاني العزّة والترفُّع عن المطالبة بما أعطاه زوجتَهُ من الهدايا والهبات قبل طلاقها.

وفي قوله تعالى: {وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا} من سورة البقرة، وذلك في مَقام التعريض بحاجة الرجل إلى المرأة المطلَّقة إذا كانت له رغبة في الزواج بها وهي ما زالت في عدتها.

وهذا مَقام يُغني فيه التعريض عن التصريح، والإشارة عن العبارة، فتأمَّل خاصية التعبير بـكلمة {السرّ} كناية عن العلاقة الزوجية.

وهذا باب تطيشُ فيه عقول الأدباء، وتَزلّ فيه أقدامُ البلغاء.


اقرأ أيضًا:

في ظلال رسالة الإمام الخطابي: بيان إعجاز القرآن

النقد وأثره في الأدب

المعرفة من المستوى الأول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى