العدد الثانيعالم الكتب

مراجعة رواية “الغريب” لألبير گامو

مراجعة رواية "الغريب" لألبير گامو

 

مراجعة رواية “الغريب” لألبير گامو

أنس سعيد محمد

هل ننسب المذهب الفلسفي إلىٰ الروائي أم ننسب الروائي إلىٰ المذهب الفلسفي؟ هل الرواية هي ابتكارٌ لمذهب فلسفي جديد أم أنها تشكيل فني لفكرة فلسفية قديمة؟

أسئلة يمكن أن تطرح نفسها علىٰ كل من قرأ رواية (الغريب) التي صدرت عام (1942م)، لكاتبها (ألبير گامو)، والمعروف بنزعاته العبثية التي جسَّدها، خير تجسيد، من خلال روايته القصيرة هذه التي لا تتعدىٰ 144 صفحة، والتي قُسمت إلىٰ فصلين متساويين تمامًا من حيث عدد الصفحات، والتي ترجمها، ترجمة جيدة جدًا تستحق الإشادة، الكاتب المغربي الشاب محمد آيت حنَّا.

تُعرف رواية (الغريب) بأنها تلخِّص مذهبًا فلسفيًا كاملًا، بل بإمكان الباحث الرجوع إليها إذا ما أراد التعرف عن قرب علىٰ مذهب العدمية والعبث، وأنا أعتقد أنها اكتسبت حرارتها ووضوحها من كونها أول عمل روائي للكاتب، فهي بذلك متصفةٌ ولا بد بما تتصف به الأعمال الأولىٰ من لصوق شديد بذات المؤلف يحيل مباشرة إلىٰ السيرة الذاتية، مهما كانت الواجهة القصصية متخيَّلةً أو مغايرةً في الظاهر لحياة المؤلف الخاصة.

يبدأ الفصل الأول من الرواية بتلقي البطل خبر وفاة أمه، وكان هذا الحادث الجلل بوابةً دخل منها الكاتب لوصف شخصية بطله اللامبالية إلىٰ درجة غير آدمية، إذ تلقىٰ البطل خبر الوفاة ببرود شديد مستفز جدًا، وبنفس البرود الجليدي حضر جنازة أمه التي لم يتكلف حتىٰ إلقاء نظرة أخيرة علىٰ وجهها قبل الدفن، ثم انطلق -بعد الدفن مباشرة- إلىٰ حياته العبثية غير مبال بشيء، معلقًا علىٰ كل شيء بعبارته المتكررة الشهيرة: “لا فارق عندي”.

تمرُّ صفحات الفصل الأول في وصف تفاصيل الحياة اليومية للبطل، وهي تفاصيل بدت في البداية متنافرةً تفتقر إلىٰ الترابط، بل ربما يسأل القارئ نفسه عن جدوىٰ وصفها أصلًا، وبأي شيء تخدم القصة، ثم تتطور الأحداث لينتهي الفصل الأول بجريمة قتل يرتكبها بطل الرواية، دون أي دافع حقيقي لها.

في الفصل الثاني، المماثل في حجمه للفصل الأول، يتوقف السرد القصصي تمامًا أو يكاد، ليقتصر الحديث علىٰ تفاصيل المحاكمة التي خضع لها بطل الرواية بسبب جريمته، وهنا يُفتح المجال للمونولوغات الداخلية، والتساؤلات الفلسفية، والإشكاليات الأخلاقية أو التي تبدو كذلك، والتي طرحتها ملابسات جريمة القتل تلك، وما أعقبها من تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو تافهة إبان سردها في الفصل الأول. سنرىٰ كيف أن المحاكمة اتخذت منحىٰ عجيبًا تجاوز مؤاخذة القاتل علىٰ جريمته إلىٰ النبش في أعماق سريرته، وإخضاع أتفه تفاصيل حياته اليومية -حتىٰ التي لا علاقة لها بالجريمة- إلىٰ مجهر أخلاقي لا يرحم، كأنما يريد القضاة بذلك أن ينقِّبوا في روح المجرم علىٰ ذرة خير، ولو واحدة، تعصمه من عقوبة الإعدام، وتجعله مستحقًا لظروف التخفيف، وهو ما لن يجدوا له أثرًا بالنظر إلىٰ أن كل ما صدر عن القاتل منذ وفاة أمه إلىٰ لحظة ارتكابه للجريمة، لم يكن يدل إلا علىٰ نفس خربة صفر ٍمن أي شعور، لا شيء فيها إلا الفراغُ المطلق.

سيجعلنا الكاتب في الفصل الثاني نتساءل -علىٰ لسان بطله- عن أخلاقية المحاكمة، وهو ما يبدو مناقضًا تمامًا لشخصيته العدمية التي تتنافىٰ مع طرح الأسئلة الأخلاقية، بل بالتدقيق في الأمر نجد أن التساؤلات الأخلاقية للبطل نفسها كانت عبثية، وأنه كان ينظر إلىٰ المحاكمة كما ينظر إلىٰ أي ظاهرة طبيعية غريبة بعض الشيء. فقط نحن القراء بإمكاننا، بما نحتفظ به من الجدية في التعامل مع الحياة، أن نتأمل المحاكمة تأملًا أخلاقيًا، أما بطل الرواية، موضوع المحاكمة، فـ “لا فارق عنده” علىٰ كل حال، ولا شيء يهمه حتىٰ لو كان الإعدام نفسه.

أثار انتباهي في الرواية أنها أول عمل لكاتبها، وأنه كتبها في شبابه، في التاسعة والعشرين من عمره فقط، وهي وإن كانت مفعمة بحرارة دالة علىٰ لصوقها بذات المؤلف وسيرته النفسية الذاتية، كما هي في الواقع معظم الأعمال الروائية الأولىٰ، إلا أنها تتميز بأسلوب رصين في الوصف والمعالجة، يوحي بنضج يفوق المرحلة العمرية للكاتب، كما يدلُّ علىٰ احتراف في الصنعة الروائية وقدرة عالية علىٰ الوصف الدقيق الخارجي والداخلي معًا.

وأما بالحديث عن لبِّ الرواية، وهو الفلسفة العدمية، فليس من الصواب بطبيعة الحال أن ننسب هذه الفلسفة إلىٰ ألبير كامو ولا إلىٰ غيره، فالكاتب هنا إن كان يعتنق الفكرة السيزيفية في تصوره لموقع الإنسان من الوجود، وأن سعيه في الحياة عذاب عبثي كسعي سيزيف، فما روايته هذه إلا تصوير أدبي لفكرته الخاصة التي اعتنقها بعد أن تعرف عليها واقتنع بها أو وافقت هوىٰ في نفسه، بل إن قصة سيزيف نفسها ما هي إلا تصوير أدبي لفكرة العبث المجردة، وكل هذه الأفكار، بعد أن نجرِّدها من تمظهراتها القصصية والفنية، فإنها تعود بنا إلىٰ أصلين عميقين لا ثالث لهما: الإيمان أو عدمه.

حين قرأتُ رواية (الغريب) متعرفًا بها علىٰ ما يدور في أعماق كاتبها، لم أجد في خلاصتها أكثر من تمثيل فني لحالة (الإلحاد التام)، وكل ملحد علىٰ وجه الأرض يفكر بتلك الطريقة نفسها، ويتصرف علىٰ أساسها، مهما كان مستواه الثقافي. هناك فقط أشخاص تسعفهم قدراتهم الأدبية علىٰ تطويع اللغة لصياغة أفكارهم صياغة قصصية، وآخرون لا يُعنون بالكتابة، لكن أسلوبهم في الحياة، كما يصرحون به بألسنتهم وكما يظهر من خلال أفعالهم، ينطق بتلك الأفكار نفسها وإن لم يكتبوها.

الأفكار هي انعكاسات لحالات نفسية وروحية، والإلحاد بما هو كفرٌ بالإله الخالق والبعثة بعد الموت والحياة الآخرة، فإن من طبيعته أن يولِّد أفكارًا مفرطة في الأنانية الدنيوية، وما دامت الحياة عبثًا فلا معنىٰ للأخلاق ولا للفضيلة ولا للرحمة والشفقة، ومن ثمَّ فلا محرك للإنسان إلا منفعته الذاتية ولذَّاته الحسية، ولا رادع له إلا الخوف من الألم أو من فقدان القدرة علىٰ مزيد من الالتذاذ الحسي، وهكذا يغرق الملحد في اللذات الحسية حتىٰ تتبلَّد حواسه ويفقد القدرة علىٰ الشعور بها، وحينئد يجد نفسه أمام خواء داخلي مطلق، خائبَ الأمل في المتع الدنيوية كلها، ليستفحل العدم في روحه استفحالًا سرطانيًا يسوِّد في عينيه وجه الحياة فيضيق ذرعًا بوجوده فيها، فلا يبقىٰ أمامه إلا الارتماء في أحضان الجريمة، أو الانتحار الذي يتوهَّمه خلاصًا أبديًا من آلام وجود لا غاية له ولا هدف.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا النمط من الشخصيات العدمية له جاذبية فنية شديدة، وغالبًا ما يحظىٰ بإعجاب جماهيري مفرط، لما يتيحه للكتاب من مجال خصب للاشتغال عليه، ولما يوحي به من متناقضات القوة والضعف، والشجاعة والجبن، والرقة والقسوة، فضلًا عن عذابات الروح التي تأتي في العادة بعد الارتفاع عن رغبات الجسد، ولعل هذا ما يفسر وجود (الشخصية العدمية) في عدد كبير، أو ربما في الغالبية العظمىٰ من الأعمال الأدبية والفنية ذات الشهرة العالية، ولقد كان نجيب محفوظ من أوائل الكتاب العرب الذين قدموا أمثال هذه الشخصية، وأعني (محجوب عبد الدايم) بطل روايته الاجتماعية الأولىٰ (القاهرة الجديدة)، كما أن (كمال أحمد عبد الجواد) بطل الثلاثية هو من أشهر الشخصيات الروائية العدمية علىٰ المستوىٰ العربي.

أذكر أيضًا شخصية (يوهان ليبرت) من مسلسل الأنيمي الياباني (وحش)، وكذلك (والتر وايت) بطل مسلسل (بريكينغ باد) الشهير، والذي ارتمىٰ في أحضان الجريمة في اللحظة التي أيقن فيها بالموت القريب، وهي لحظة (عدمية) إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن (والتر وايت) لا يؤمن بالحساب بعد الموت.

رواية (الغريب) لـ (ألبير كامو)، توصيف دقيق لحالة الإلحاد وما يترتب عليه من الأفكار العدمية، وهي رواية علىٰ قدر من الخطورة بالنسبة لمن كان مهزوز الإيمان ذا قابلية لتشرب الأفكار الإلحادية، إذ سيجدها تعبر عن دواخله علىٰ نحو يعجز هو عن مثله، وأما الثابتون علىٰ إيمانهم فستجعلهم يحمدون الله علىٰ نعمة الإيمان، وعلىٰ أن الله تعالىٰ لم يخلق شيئًا عبثًا، وأن ثمة بعد الحياة الدنيا حياة أخرىٰ تُنصب فيها موازين القسط، ولا يظلم ربنا فيها أحدًا.

 

 

اقرأ أيضًا:

رحلة

 

النقد وأثره في الأدب

 

دعاوى المستشرقين في العروض العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى