العدد الرابعمقالات

عماد الفنان

 (2)

عماد الفنان

د. رؤوف عماد عبد السلام

 

لم أجد صعوبةً في الكتابةِ أكثرَ من هذه التجربة أنْ أكتب لأبي وأستاذي وأخي الكبير المرحوم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، ولكن كنت دائمًا عندما يسألونني في لقاءات سواء كانت تلفزيون أو صحافة، السؤال الأول دائمًا: مَن كان مشجّعك الأول؟ أقول: والدي منذ طفولتي، والحمد لله أنني وصلت إلى مراحل متقدمة في فنّي، وهذا أبسط رد، وفاءً له.

سأتكلم عن المؤرخ والفنان عماد ما لم يتكلم به أحد، من تجربة شخصية، ومما لم يكن معروفًا أن الدكتور عماد رحمه الله كان منذ طفولته عاشقًا لفن الرسم، ولقي اهتمام والديه بالتشجيع، وإمداده بالمواد والألوان، كان والده: عبد السلام رؤوف مدير الميزانية والحسابات في وقتها، وجدتي من أوائل الأساتذه في كلية الملكة عالية في التربية الفنية والمنزلية، كانت نعم المشجع له منذ الطفولة، كانت نشأته في بيت مثقف، يعشق الموسيقى الكلاسك، وفن التصوير، والسينما، والرسم، والكتابة، والقراءة، كانت هذه صفات وميزات العوائل العريقة.

بدأ الدكتور عماد مشوار الرسم إلى سنوات متقدمة من عمره، إلى آخر لوحات رسمها في سنة 2014م، كانت بدايته الأكاديميه لتعلُّم فن الرسم على يد الفنان الرائد الدكتور خالد الجادر، في مرسم كلية الآداب بجامعة بغداد، حيث كانت تصطحبه والدته إليه، ويرسم حسب ما أذكر مِن جدتي، كان متميزًا جدًا، ونال إعجابًا كبيرًا من الدكتور الجادر، واستمرت العلاقة إلى أن تعين والدي في كلية التربية المجاورة لكلية الآداب، وكانوا أصدقاء أعزاء، وكثيرًا ما كان والدي يتكلم عنه لي، وعن إمكانيات الاحتراف بالرسم، وتجارب كثيرة منها سفرات الرسم في الطبيعة، وغيرها.

وبعد سنوات عدة وانشغال والدي التام بكتابة التاريخ، بين الحين والآخر، تكون متعته هوايته منذ الطفولة بأن يرسم.

وهو أيضًا كان عضوَ جمعية الفنانين العراقيين في بدايات تأسيسها، وهذا الحب للرسم الذي لم يتمكن أن يكون دائمًا على تواصل به بسبب عشقه للتاريخ والمشوار الأكاديمي، عكَسه عليّ، كنتُ في المراحل الأولى من طفولتي، يجلس معي، ويعلمني، ويرسم معي، ويجلب لي الألوان، وأذكر كثيرًا ما كنا نسهر ونرسم سوية، وعلمني مبادئ الرسم والظلال والأبعاد، إلى أن عملت أول معرض شخصي لي في الصف الخامس الابتدائي، وبعدها في الثالث المتوسط، وبعدها دخلتُ المعهد والأكاديمية، وأكملت مسيرتي لأكون فنانًا تشكيليًا، لي أسلوبي الخاص؛ فهذا كان فضله عليّ، وإن قلت في بداية المقال أنه كان أستاذي وأخي الكبير.. نعم هو اخي الكبير لأني تربيت مثله على يد والدته (جدتي) أيضًا، فقد علمتني وشجعتني مثل ما كانت تفعل مع والدي صغيرًا.

وكتَبَ والدي في الفن كتابًا عن الرائدة عبلة العزاوي الفنانة في الخزف، كما كتب لي مقدمة كتابي الأول عن الرائدة الفنانة التشكيلية نعمت محمود حكمت.

وكانت أجمل كتباته القصيرة لي عن فني عندما كنت أفتتح معرضًا شخصيًا، وهذه من بعض ما كتب:

يغوص في زورقه الصغير

وراء بحر من الزيف

فيرى ما لا نراه

ويحيا ما لا نحياه

تتراءى له الحقيقة حلمًا

والحلم لا حدود فيه لمكان أو زمان

ففي الأعماق يتجلى كل شيء محيرًا

طلسمًا كبيرًا

فالحيرة هي الحقيقة

وليست الحقيقة إلاّ سراب!

+ + +

وديان بلا قعر

وسماء بلا قمر

وأناس بلا ظلال

عالم يلفه الغموض

لكنه غموض أشد صدقًا من الحقيقة.

+ + +

كتب لي هذه الأسطر سنة 2001م في معرضي الشخصي الرابع، في مركز الفنون.

رحمك الله يا أبي، حمّلتي مسؤولية اسمٍ كبير، أدعو الله أن أكون عند حسن ظنك بي.

وداعًا يا أبي.. كانت إقامة قصيرة، لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا..

وداعًا يا أبي.. كانت زيارتك رقصة من رقصات المطر، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس.. لحنًا سمعناه لثوانٍ ثم هززنا الرؤوس وقلنا إننا توهمنا..

وداعًا أبي.. لكن كل شيئ ينتهي.. وداعًا.

[كان يقف خلفي في معارضي مستمتعًا بالفن، ويقول لي: حققت ما كنتُ أتمناه بمجال الرسم]

نماذج من لوحاته بيده:

اقرأ أيضًا:

ورقة بيضاء

العلامة الأثري ذكرى وبشرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى