الرواد الأكاديميون للأستاذ الدكتور عادل البلداوي

“الروّاد الأكاديميّون”
للأستاذ الدكتور عادل البلداوي
سلطان صلاح ماجد
عند مصادفتي كتاب (الرواد الأكاديميّون ودورهم في بناء المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة فكرًا منهجًا) وقراءة عنوانه لأول وهلة، استوقفتني ذكرى المحاضرات الأولى التي حضرتُها في كلية التربية، قسم التاريخ، بالجامعة المستنصرية، حيث كان يُحاضر فيها الأستاذ الدكتور عادل تقي البلداوي مادة حقوق الإنسان(1). وعلى الرغم من النظرة الشائعة تجاه تلك المادة، التي تُدرَّس في كراريس الإهمال وتَكون علامةَ التهاون الطلابي في حضورها، إلا أن الدكتور عادل البلداوي كان يجعلها أقرب إلى الأخبار المستملحة، باستشهاده بأقوال العلماء والقادة والمفكرين من شتى التوجهات الفكرية، وهو بهذا يُحيي فكر أستاذه كمال مظهر أحمد(2). وكان الأمر الثاني اللافت في تلك المحاضرات عدم تهاون الأستاذ بدخول الطلبة بعده، وكان هذا الأمر مستهجناً عندي، حتى أدركت قيمة الوقت وثمنه لدى محبي المعرفة والشغوفين بالعلم.
تحيَّرت أمام عنوان الكتاب عند قراءته: هل هو تراجم لأساتذة علم التاريخ في العراق منذ زمن الآباء المؤسسين وصولاً إلى زمننا الحاضر؟ ثم قررت إزالة هذه الحيرة بمباشرة القراءة، فلا تزال القراءة أنيسة نفوسنا ومنقذتنا في كل حين.
ألقيت النظر إلى المقدمة، فتنبأت بأن هذا الكتاب يندرج تحت صنف المؤلفات العراقية(3) في مادة منهج البحث التاريخي، فما كدت أطمئن حتى أدركتُ أني أمام فكرة غريبة عليَّ يطرحُها المؤلِّف، وهي: استجلاء منهج البحث التاريخي من خلال كتب وأقوال أساتذته المؤرخين من أركان علم التاريخ في العراق الحديث، من أمثال: صادق السوداني، وجعفر الحميداوي، وكمال مظهر أحمد، وهاشم التكريتي، وزكي صالح، وغيرهم.
ففي المقدمات المعهودة في كتب منهج البحث التاريخي نجد تعريف المنهج، وتعريف التاريخ، وتعريف علم التاريخ، والحديث عن مسألة: هل التاريخ علم أم لا؟ وكيفية التعامل مع المصادر والمراجع والوثائق. أما الدكتور عادل البلداوي، فيكتنز بين طيات كتابه كل ما استطاع جمعه مما كتبه أساتذته، ويستذكر كلّ ما سمعَه منهم في قاعات الدرس، ثم يعقِد فصلاً كاملاً عن ذكرياته مع أستاذه كمال مظهر أحمد، المؤرِّخ الكرديّ الكبير الذي انتهت إليه رياسة التاريخ الحديث، رغم كثرة مخالفيه آنذاك.
فينقل لنا البلداوي -بدقةٍ كبيرة كأنّه يتعامل مع وثيقة تاريخية نادرة- زياراتِه العديدةَ له في مختلف المواقف، وقبل ذلك تعرُّفه به، والموقف الذي جمع بينهما أمام المكتبة المركزية، لتتكوّن تلك العلاقة البديعة بين الأستاذ والتلميذ.
ويثبت البلداوي ذكريات إشراف أستاذه عليه، وتعامله معه بقسوة شديدة تارة قد تصل إلى التجاوز اللفظي، واللين تارة أخرى كأمٍّ حنون تستقبل ابنها بعد يوم حافل بالمشقة. وهذا يرشدك إلى حذق أستاذه، ويوجّهك إلى همّته الشديدة في إخراج تلميذه على هيئة الباحث عادل البلداوي، الذي لا يجامل ولا يهادن في سبيل فكرته، ولأجل قناعته التاريخية، على خلاف غيره ممن لا طائل لهم في أروقة الجامعات سوى حشد الأسماء، وإزعاج الطلبة بثقلهم، واعتبارهم الطالب مجرَّد مصدرٍ يستمدّون منه منفعتهم المادية.
وآخِر ما أودّ إيراده في هذا المقام: موقفٌ نبيل لأستاذه كمال؛ إذ رفض أن يُثبت تلميذه عادل في مستهل رسالته كلمات الشكر والتقدير الموجّهة إليه، وهدَّده بأنه لن يحضر المناقشة إن فعل ذلك، وهو المشرف على الرسالة! وفي هذا الموقف العظيم يظهر الإخلاص للمعرفة، وإيثار العلم على المناصب والشهرة، ذلك الخُلق الذي عزّ أو فُقِد في ساحاتنا الأكاديمية!
————- الحواشي:
(1) وكان من غوائل الزمن أن يتغير الأستاذ عادل البلداوي، حتى لم نكد أن نكمل فصلًا واحدًا معه، نستفيد من معين علمه ونلتمس من أسلوبه.
(2) كتب البلداوي إهداء كتابه «نضال الشعب الكردي وموقع البارزاني في الوثائق العراقية السرية» إلى أستاذه: «لا يملك في هذه الدنيا سوى بستان جميل، فيه غصنان مباركان: القلم والكتاب، اللذان ما زال يقضي معهما أجمل أيام العمر. اتهموه بالطائفية، فرد عليهم محبو الشبيبي والجمالي والحسني أنه وطني صادق. واتهموه بالشعوبية، فرد عليهم محبو محمد عبده وجمال عبد الناصر في مصر، والعروبة، والعالمَين العربي والإسلامي، أنه قومي متنور، صادق في حبه للعرب والمسلمين. واتهموه بالعنصرية، فرد عليهم محبو دانتي ومانديلا في أوروبا وإفريقيا، أنه مفكر إنساني رائع…». وهذه الشخصيات كلها كُتب عنها في الجامعات العراقية، وأشرف عليها الدكتور كمال مظهر أحمد.
(3) أفاد العراقيون مدرسةَ التأريخ في العالم بكتاباتهم عن منهج البحث التاريخي، فقد كتب الدكتور مرتضى حسن النقيب، والدكتور عبد الواحد ذنون طه، والدكتور فاضل جابر ضاحي، والدكتور سامي حمود الحاج جاسم، مؤلفات في هذا الفن نهل منها الكثير.




