مقالات

العربية من الهامش إلى المتن

العربية من الهامش إلى المتن

د. محمد مصطفى الكنز

سعد مصلوح صناعة علمية ثقيلة، اجتمع لها صرامة التكوين وطول المراس، ونهضتْ على جناحين: نار الرَّويَّة وعصامية النفس.

وهو ينتظم عن استحقاق في سلك اللسانيين الكبار، أمثال: إبراهيم أنيس، وعبد الرحمن أيوب، وتمّام حسّان، وأنيس فريحة، ومحمود السعران، وغيرهم. وهو وإن اشترك مع اللسانيين العرب في الاحتفاء بالعربية، إلا أنه قد سلك مسلكًا آخر، أراد به للعربية أفقًا أرحب من الأفق الذي تتحرك فيه.

إن جمهرة من اللسانيين العرب قد نظروا إلى العربية في حيّزها القومي من داخل حدودها الإقليمية، واستنفدوا أعمارهم في طلب إصلاح أنظمتها وتجديد دراستها، وإعادة تفسيرها، في حين خرج مصلوح من إسار هذه النظرة إلى فضاء أوسع تكون فيه العربية رافدًا عالميًّا، يحمل إلى البشرية تراثًا عتيدًا، ووسيطًا أمينًا يضع بين أيديها خلاصة حضارة باذخة.

ومن أظهر الشواهد على ذلك صنيعُه في تطبيق ما انتهى إليه اللساني الأمريكي (تُمْلِين) في أنماط تركيب الجملة وترتيب عناصرها في لغات العالم، بعد أن درس ما يقارب ألف لغة، وانتهى تصنيفه لها إلى ستة أنماط، ثم جاء مصلوح فاختبر العربية بها، فإذا الأنماط الستة جميعُها لها في العربية موضع، في حين أن لغات كبرى كالإنجليزية تضيق عن ذلك، فلا تكاد تتجاوز نمطًا ترتيبيًّا واحدًا. وهذه النتيجة، إن صحَّتْ دلالتها على الوجه الذي أراده مصلوح، فإنها لا تُخْبر عن كثرة وجوه العربية فحسب، بل تفتح سؤالًا أعمق: ألسنا أمام لغة ذات طاقة تركيبية تجعلها جديرة بأن تُدْرس في جامعات العالم، على أنها شاهد من شواهد الإمكان اللغوي العبقري في تاريخ اللغات البشرية؟

وثَمّ جمهرة أخرى من اللسانيين العرب شُغلوا بإثبات أن العربية قابلة لأن تُقرأ في ضوء النماذج اللسانية الغربية، حتى غدتْ أعمالهم حاشية على سؤال: كيف نُدْخل العربية في نظام دو سوسير أو بلومفيلد أو تشومسكي أو غيرهم؟ أصبحت العربية عند هذا الفريق حقل تجارب للاتجاهات اللسانية الحديثة، وكلما ظهر اتجاه جديد تنافسوا: أيُّهم يستعيره أولًا!!

وأما مصلوح فقلَب السؤال، وجعلَ العربية متنًا: لماذا لا تكون العربية هي التي تُخْتبَر بها صلاحيةُ النموذج الغربي؟ وليس في هذا رفضٌ للمنجز اللساني العالمي، ولا استعلاء عليه، وإنما هو إيمان بأن النموذج العلمي لا ينبغي أن يُعبَد لكونه وافدًا، وأن اللغة لا تُقاس بقدرة النظرية على احتوائها، بل قد تُختبر النظرية نفسها بقدرتها على تفسير اللغة.

لم يَرتضِ مصلوح للعربية أن تبقى في هامش الخضوع والتبعيّة، ولم يُغلق باب الإفادة من الآخر، إلا أنها إفادة الواعي الواثق، لا إفادة المستنسِخ المأخوذ، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحقُّ بها. كما لم يرتض للعربية أن تظلّ في هامش المدح والتبجيل، فإن ذلك لن يكشف قوانينها ولن يُنتج معرفة حقّة. ولذلك فإنه يُلحّ دائمًا على ضرورة أن نتجاوز سؤال: ماذا نعرف عن العربية؟ إلى سؤال: كيف نَعْرف العربية؟ وكيف نستثمر هذه المعرفة؟ فالأول يستدعي ما تراكم من معلومات، وأما الثاني فيسائل طرائق المعرفة نفسها، ويمتحن أدواتها، ويضع الذوق والانطباع والتقليد تحت سلطان التحليل العلمي المنضبط.

ثم إنّ تأمُّل المشروع اللساني لمصلوح يُبيّن بوضوح أنه لا يَنظر إلى العربية أعضاءً متفرِّقة، فلا يرضى أن يكون الصوت في ناحية، والمعجم في ناحية، والصرف في ناحية، والنحو في ناحية، والبلاغة والعروض والقافية في نواحٍ متباعدة، بل العربية عنده جسدٌ واحد، وإن اختلفت أعضاؤه وتعدَّدتْ علومه. ولذلك غلب على منجزه الطابع البيني، فكان يرُدُّ بعضَ هذه العلوم إلى بعض، ويكشف ما بينها من الوشائج التي غفل عنها التخصُّص فتَوارَتْ، حتى كأنّ العلم باللغة لن يستقيم إلا إذا جُزِّئت في يد الباحث إلى علومٍ تَتدابَر.

وهذا التمايزُ الذي حظي به المشروع اللساني لمصلوح لم يكن وليد قطيعة مع التراث، ولا ذوبان في الوافد، بل لأنه أقام بين هذين الواديين طريقًا ثالثًا؛ فلا تقديس للقديم يمنع السؤال، ولا قطيعة معه تمنع الإفادة، ولا انبهار بالغربي يضع العقل العربي في موضع التابع، ولا انغلاق على الموروث يَحول دون المشاركة في المعرفة الإنسانية. إنها صيرورة معرفية تقوم على أن الجديد لا يُبنى بإعدام القديم، وإنما بإعادة قراءته، واستخراج ما فيه من قابلية للحياة.

وقد أعانته على ذلك أسبابٌ:

  • منها امتلاؤه بتراث أجداده في كلية عريقة هي كلية “دار العلوم”،
  • ومنها دراسته في مرحلة الدكتوراه في روسيا واطّلاعه عن كثَب على المنجز اللساني الحديث،
  • ومنها إتقانه للروسية والإنجليزية،
  • ومنها معايشته لحقل الترجمة.

وقد أوقفَتْه هذه الأسباب بين لغات وثقافات مختلفة وقوفَ المقارِن الممتحِن لا وقوفَ الناقل المستلَب. ومن عاش بين لُغتين أو أكثر، ثم عاد إلى لغته الأولى بعينٍ أخرى، رأى من خفاياها ما لا يراه مَن أقام فيها ولم يبرحها؛ فإن الأُلْفة قد تحجُب عن المرء ما تكشفه الغُرْبة، والمقابلة قد تُظهِر من خصائص الشيء ما لا يَظْهَر في العين منفردًا.

إنّ قيمة المشروع اللساني لمصلوح لا تكمن في كثرة ما قال، ولا في عدد ما صنّف، وإنما في التحوُّل في زاوية النظر؛ بأن تكون العربية حاضرة في المعرفة اللسانية العالمية لا متلقّيةً تَلقِّي الخاشع المطيع، وأن تكون قادرة على أن تسائل الآخر، وتكشف حدوده، وتُضيف إلى ما انتهى إليه.

وفي تقديري أن المسألة الكبرى في مشروعه هي أن نَخْرُج بالعربية من مقامٍ تكون فيه موضوعًا للعلم إلى مقامٍ تكون فيه شريكًا في صناعة العلم.

 

editor

هيئة التحرير بمجلة روى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى