الإبدال اللغوي مواقع الإحالة ومنازع الدلالة

الإبْدالُ اللُّغَويُّ
مَواقعُ الإحالةِ ومَنازعُ الدَّلالةِ
محمَّد حمْدي الشعَّار
باحث وأديب مصري
ماهيّة الإبدال:
الإبدالُ: وضعُ حرفٍ موضعَ آخرَ، أو كلمةٍ موضعَ أُخرىٰ، ويقعُ في الكلامِ لأغراضٍ، منها مُجرّدُ التّخفيفِ، أو لكثرةِ الاستعمال، وذلكَ ما نَصّ ابنُ جنّي علىٰ أنّه ممّا يقعُ في الكلامِ لغيرِ غايةٍ، والآخرُ ما يقعُ في الكلامِ لغرضٍ دلاليٍّ(1).
وقد عَرَّفَهُ ابنُ عُصفورٍ الإشبيليِّ بِقَولِهِ: “البدَلُ هُو مُنحَصِرٌ في إبدالِ حَركةٍ من حركةٍ، أو حرفٍ مِن حرفٍ، أو كَلِمةٍ مِن كَلِمةٍ، أو حُكمٍ مِن حُكمٍ”(2).
وسيبويهِ مِن أوائلِ مَن تنبَّهوا إلىٰ الإبدالِ، غيرَ أنَّهُ عبَّرَ عنهُ بالعِوَضِ، فقالَ: “والعِوضُ قولُهم: زنادقةٌ، وزناديقُ، وفرازنةٌ وفرازينُ، حَذفوا الياءَ وعَوَّضوا الهاءَ”(3).
وبالجمعِ بينَ حُدودِ التَّعريفِ عندَ (سيبويهِ) وتَقاسيمِ التَّعريفِ عندَ (ابنِ عُصفورٍ) نخلُصُ إلىٰ القولِ بِأنَّ البدلَ أو العِوضَ هو: “وضعُ حركةٍ مكانَ حركةٍ، أو حرفٍ مكانَ حرفٍ، أو كلمةٍ مكانَ كلمةٍ لِغايةٍ”.
ومن هذا التِّلقاءِ نخلُصُ إلىٰ الحُكمِ علىٰ الإبدالِ بأنَّهُ: مِن أجمعِ الأبوابِ الصرفيَّةِ والدَّلاليَّةِ التي تناولَت إحلالَ حرفٍ مكانَ حرفٍ في الكَلمةِ، سواءٌ وقعَ ذلكَ الإحلالُ في حرفٍ صحيحٍ أو مُعتلٍّ.
ومِن مواضعِهِ في الكلامِ العربيِّ الفصيحِ: إبدالُ (الياءِ) منَ (النُّون) في قولِهم : (دِينارٍ) بدلًا مِن (دِنَّارٍ)، والدليلُ علىٰ الإبدالِ أنَّا نقولُ في الجمعِ (دنانيرِ) بتكرارِ النُّونِ. ومنهُ إبدالُ المُعتلِّ مِن المُعتلِّ في مثلِ قولِنا (قالَ) من الفعلِ (قَوَلَ)، و(قامَ) مِن الفِعلِ (قَوَمَ) ودليلُ إبدالِ (الألفِ) مِن (الوَاوِ) ردُّ (الواوِ) إلىٰ الفعلِ في المُضارعِ منهُ (يَقولُ)، و(يَقُومُ).
أثرُ العُرفِ اللُّغَويِّ فِي تَقريرِ الإبْدالِ:
علىٰ أنَّه من المعلومِ أنَّ الإبدالَ لهُ مواضعُ محصورةّ منها السّماعيُّ، ومنها القياسيُّ، لا يتخطَّاها إلىٰ غيرِها، غيرَ أنّ العامَّةَ في زَمَنِنا هَذا وفي الأزمنةِ السَّابقةِ عَمَدتْ إلىٰ بعضِ المُفرداتِ فتلاعبَت بِبعضِ حُروفِها؛ فأبدلتْها بحرفٍ لَم يُسمع فيهِ عنِ العربِ إبدالٌ، حتّىٰ صارَ عُرفًا لُغويًّا دارجًا، والعُرفُ اللُّغَويِّ ممَّا يَجوزُ الوقوفُ عندَهُ والعَملُ بِهِ مَا لَم يُخالف ضوابطَ الصِّياغةِ التَّصريفيَّةِ المُسْتَنَّةِ عندَ العَربِ.
فالإبدالُ مِن غيرِ ما يجوزُ القَولُ مَعَهُ بِتَغَيُّرِ دلالةِ الكَلمةِ التي لَحِقَها تخصيصًا، ولا ارتقاءً، إذ إنَّ تَحوُّلَ دلالةِ الكَلِمةِ تخصيصًا، أو ارتقاءً مِن معنىً لِمعنىّ آخرَ؛ مِمَّا اختصَّت بِه الكَلِمةُ العربيةُ في حالَيْها: التَّقريريِّ (المُعجَميِّ)، و(السِّياقيِّ)، والأمرُ في الإبدالِ بينَ حروفِ الكَلمَةِ الواحدةِ غيرُ مُتَأتٍّ. وحالَ كانَ ذلكَ هو الدستورَ المَنوطَ بهِ العملُ بِقاعدةِ إبدالِ حرفٍ مِن حرفٍ من عدمِهِ؛ فالواجِبُ الوُقوفُ عندَهُ وعدمُ مُجاوَزتِهِ.
وعليهِ فإنَّ الإجماعَ المُنعقِدَ في مُجتَمعِ اللُّغةِ في زمنٍ أو أزمنةٍ مُتفرِّقةٍ علىٰ إبدالِ حرفٍ مِن حرفٍ في كلمةٍ ما لا يُعتَدُّ بهِ بِمخالفةِ هَذا الدُّستورِ.
بَعضُ الإبْدالِ ليسَ مِن الإبْدال:
وقد أحلَّ العَرَبُ بعضَ الكَلامِ محلَّ بعضٍ، فظنَّ بعضُ الأئمةِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّها مِن بابِ الإبدالِ، وهي ضَربٌ مِن ضروبِ التَّصَرُّفِ فِي الكلامِ تَوسُّعًا فِيهِ، كاستعمالِهم (شَحَّاذٍ) في موضعِ (شَحَّاثٍ) لِمعنىٰ السَّائلِ المُلِحِّ في الطَّلَبِ؛ والجامعُ بينَ (شَحَّاثٍ) و(شَحَّاذٍ) علاقةُ السَّببيَّةِ؛ فالشَّحَّاذُ مِن الفعلِ (شَحذَ) الموضوعِ لِمعنىٰ الشدَّةِ والمداومةِ، فَلِطولِ طلبِ السَّائلِ وديمومةِ وُقوفِهِ بِبابِ المَسؤولِ اُستُعمِلَ (شَحَّاذٌ) في موضعِ (شحَّاثٍ) ولا أراهُ مِن قَبِيلِ الإبدالِ.
وكذا المسألةُ فِي كَلِمَتَيِ (قَريسٍ) بِمعنىٰ الشِّدَّةِ، و(قريصٍ) بِمعنىٰ الفرَكِ والاقتطاعِ، فالقارسُ والقريسُ الشَّديدُ، ومِنهُ قولُهم: “شَرُبتُ قارسًا، وحلَبتُ جالسًا”(4) وقد وضعُوا (قريصَ) موضعَ (قريسٍ) معَ اشتدادِ البردِ والماءِ وغيرِهما، مِمَّا هو في معناهُما لاستعمالِ (قريسٍ) في حقيقتِهِ اللُّغَويةِ، والثَّاني في ذلكَ المعنىٰ أيضًا؛ غيرَ أنَّهُ علىٰ التَّجَوِّزِ والمُسامحةِ.
مِن ضُروبِ الإبْدال:
قد يقعُ الإبدالُ بينَ كلمةٍ تامَّةٍ وأُخرىٰ علىٰ سبيلِ التَّضمِينِ والإشرابِ، وبَابُ هَذا النَّوعِ مِن الإبدالِ النَّحوُ، ومِنهُ قولُ قُحَيفِ العُقَيليِّ: (إذَا رَضِيَت عليَّ بَنُو نُمَيرٍ لَعَمْرُ اللَّه أعجَبَنِي رِضَاهَا)(5) بِإبدالِ (عليَّ) بِـ(عَنِّي) وهُو بَابٌ مَعروفٌ عندَ النُّحاةِ واللُّغَوِيِّينَ باسْمِ التَّضمينِ أو الإشرابِ، وإطلاقُ التَّضمينِ عليهِ، مِن بابِ إرادةِ تمايُزِ المَفاهيمِ؛ إذ لو اصطلحُوا عليهِ باسْمِ الإبدالِ لَالْتَبَسَ بالإبدالِ التَّصريفيِّ المنوطِ بِبنيةِ الكَلمةِ، بينَمَا هُو مِن الإبدالِ الدَّلاليِّ.
وفي المَسألةِ ضَربٌ آخَر مِن ضُروبِ الإبدالِ، يقعُ بينَ حرفٍ وآخرَ داخلَ بِنيَةِ الكَلِمةِ الواحدةِ، وهَذا هو الظَّنُّ بِهِ -أنَّهُ مِن جِنسِ الإبدالِ الصَّرفيّ-، والحقُّ أنَّ منشَأَهُ اختلافُ لُغاتِ العَربِ ولَهَجاتِها في نُطقِ الكَلِمةِ الواحدةِ، ويقعُ ذلكَ الاختلافُ في لَهَجاتِ العربِ بإبدالِ حرفٍ مكانَ حرفٍ في بِناءِ الكَلِمةِ من نَحوِ قولِ بعضِهم: (ظُراطٍ) فِي (ضُراطٍ)، و(سِرَاط) فِي (صِرَاطٍ)(6)، وهُما لُغتَانِ جَرت كلٌّ مِنهُما مجرىٰ الأصلِ، وليستْ إحداهُما أصلًا لِأختِها.
أمَّا مَا يعتَوِرُ بَعضَ كَلامِ العَربِ مِن النَّقصِ حِينًا والزِّيادةِ حِينًا فَليسَ مِن الْإبدَالِ فِي شيءٍ، بَل هُو مِن تعاورِ اللّغاتِ علىٰ اللَّفظِ الواحِدِ، ولَهُ أمثِلةٌ كَثِيرةٌ فِي لِسانِهم، ومِن ذلكَ: (بُكىٰ) في (بُكاءٍ) و(زِنَاءٍ) في (زِنا) و(رِضَا – ورِضاء).
_____________الهوامش:
(1) الخصائصُ، ابنُ جِنِّيّ (ج2، ص147).
(2) ضرائرُ الشِّعرِ، ابنُ عُصفورٍ (ص٢١٦).
(3) الكتابُ، سيبويهِ (ص٢٤- ٢٥).
(4) أساسُ البلاغةِ، الزَّمخشَريّ [مادَّةُ الفِعلِ: قَرَصَ، ج٢، ص٦٨].
(5) جمهرةُ اللُّغةِ، ابنُ دُريدٍ [أبوابُ الحُروفِ التي يَقُومُ بَعضُها مقامَ بعضٍ: ص١٣١٣]
(6) لِسانُ العربِ، ابنُ منظورٍ [مادَّةُ: ظرطَ، ضرطَ، زنَا] .




