مقالات

قراءة في ثلاثية الضعف عند ربيع المدخلي

قراءة في ثلاثية الضعف
عند ربيع المدخلي

عُبدُ اللهِ بنُ فَتحِي التِّلْكَيفِيّ
باحث وفقيه عراقي

شهدت الساحة الفكرية والدعوية الإسلامية في العقود المتأخرة ظهور تيارات غالية في الإقصاء والتصنيف، وبرز منها ما عُرف بـ”التيار المدخلي”، نسبة إلى الشيخ أ.د. ربيع بن هادي المدخلي. وقد أثار هذا المنهج جدلًا علميًا واسعًا بين كبار علماء العصر والباحثين والمفكرين. ويرى نقاد هذا التيار ومحللو أدبياته أن طروحات ربيع المدخلي ومواقفه العملية تقوم على بنية هشة يمكن تلخيصها في “ثلاثية ضعف العلم، والدين، والعقل“؛ وهي ثلاثة أبعاد متداخلة شكّلت ظاهرة الغلو المعاصر وأدت إلى تمزيق المجتمعات الدعوية.

يقدّم هذا المقال رصدًا علميًا منهجيًا لهذه الثلاثية مدعومًا بالأمثلة الشاهدة والوقائع التاريخية الموثقة.

أولًا: ضعف العلم (الانغلاق المنهجي وإسقاط أدوات السلف)

لا ينصب النقد العلمي هنا على نفي اشتغال الرجل بالطلب، وإنما على القصور المنهجي، وغياب فقه المقاصد، والخلل في توظيف القواعد الشرعية.

ويتجلى ذلك في مظاهر عدة:

  1. إسقاط منهج “الجرح والتعديل” في غير موضعه:

عمد ربيع المدخلي إلى نقل علم “الجرح والتعديل” -وهو علم شريف وضعه المحدِّثون لحماية الرواية النبوية وبيان حال الرواة- وتطبيقه بصورة مشوهة على الأحياء من المفكرين والعلماء والدعاة. واعتبر كبار علماء العصر هذا المسلك جهلًا بحدود الأحكام الشرعية؛ إذ إن التبديع والتفسيق له شروط وموانع تختلف تمامًا عن نقاش أحوال الرواة.

وتُعَدّ رسالة الشيخ الفَقيه بكر أبو زيد (عضو هيئة كبار علماء السعودية سابقًا) لربيع المدخلي وثيقة علمية دامغة تثبت هذا الضعف المنهجي. فعندما أرسل إليه المدخلي مسودة كتابه في الطعن بسيد قطب ليقرظه، رد عليه الشيخ بكر برفض قاطع ووصف صنيعه بعبارات علمية دقيقة قائلًا:

“إن الكتاب يقوم على الترصد وتتبع السقطات”.

“يعتمد على المتشابه من القول ويترك المحكم”.

“يُحمّل الكلمات ما لا تحتمل، ونبش القبور”.

وهي شهادة تثبت افتقار أسلوب المدخلي لأساسيات البحث العلمي والإنصاف الشرعي.

  1. عدم الأهلية الفقهية والأصولية:

تخلو مدونات ربيع المدخلي من التأصيل الفقهي أو الأصولي، وتفتقر كتاباته تمامًا لآليات معالجة فقه النوازل (المعاملات المالية الحديثة، النوازل الطبية، قضايا الأقليات). واقتصر نتاجه بالكامل على كتابة “الردود والتحذيرات”، مما يعكس قصورًا ظاهرًا في استيعاب شمولية الفقه الإسلامي وسعة الشريعة ومقاصدها.

ثانيًا: ضعف الدين (غياب الورع في الأعراض وتفتيت الأخوة الإسلامية)

المقصود بـ “ضعف الدين” في السياق النقدي هو غياب الورع بمفهومه الإسلامي الشامل، واختزال التقوى في الخصومة الفكرية، وهو ما قاد إلى ممارسات تخالف صريح الوحيين:

  1. الوقوع في أعراض المسلمين واستباحتها:

عُرف المدخلي بحدة لسانه وغياب الورع عند الحديث عن مخالفيه، متجاوزًا الضوابط الشرعية للأدب النبوي. وقد امتلأت كتبه وأشرطته بعبارات السب المقذع، كحكمه على مخالفيه بأنهم “أقذر من الكلاب”، وتخوين النوايا، والرمي بالنفاق والعمالة والجاسوسية دون بينة شرعية، وهو مسلك يتنافى مع أصل التقوى وحرمة دماء المسلمين وأعراضهم.

  1. هدم أصل الأخوة والولاء والبراء الضيق:

جعل المدخلي من نفسه ومن موقفه من الأشخاص محورًا للولاء والبراء؛ فمن وافقه في تبديع شخصٍ ما فهو “السني السلفي” ولو كان جاهلًا، ومن خالفه أو توقف في التبديع فهو “مبتدع ضال مهجور” ولو كان من كبار علماء الأمة. هذا السلوك أدى عمليًا إلى هدم عقد الأخوة الإسلامية العام، وتحويل الدعوة إلى مراتب حِزبية ضيقة قائمة على طاعة الأشخاص لا النص الشرعي.

  1. الانتقائية والسكوت عن المظالم الكبرى:

يؤخذ على هذا المنهج ضعف الغيرة الدينية تجاه الانتهاكات والمظالم الكبرى التي تتعرض لها الأمة الإسلامية، وفي المقابل توجيه كل الطاقات والجهود لمعاداة المؤسسات الخيرية، وحلقات تحفيظ القرآن، والدعاة المصلحين، مما جعل خطابه يخدم خصوم الأمة ويضعف من تماسكها الداخلي.

ثالثًا: ضعف العقل (التناقض المنهجي والسطحية في قراءة الواقع)

يتجلى البعد الثالث في الاضطراب العقلي والمنهجي في المحاكمة، وفي عدم اطّراد القواعد، وفي السطحية السياسية التي أفضت إلى مفاسد عظيمة:

  1. اضطراب المعايير وتبدل المواقف الحاد (أزمة الرجال):

من أكبر الأدلة العقلية على غياب الرؤية المستقرة هو تحول ربيع المدخلي المفاجئ من الثناء المطلق على رفقاء دربه إلى التبديع الشديد لمجرد خلاف جزئي.

مثال ذلك: معاداته وتبديعه لأبرز أصحابه سابقًا أبي الحسن السليماني المأربي، وعلي بن حسن الحلبي، ومحمد المغراوي، وفالح الحربي، ويحيى الحجوري، وعبيد الجابري، ومحمد بن هادي، هؤلاء كانوا عنده أئمة في السنة، وفجأة أصبحوا خوارج ومبتدعة. هذا التقلب يثبت عقليًا غياب الميزان العقلاني الموضوعي في تقييم الرجال والاعتماد على الأمزجة الشخصية.

  1. قبول الغلو والتقديس الذاتي المنافي للعقل:

تأسس هذا التيار على تسليم العقل بالكامل لشيخ الطائفة.

وقد قبل المدخلي من تلاميذه مبالغات لا يقبلها عقل سوي؛ كإطلاق لقب “إمام الجرح والتعديل في العصر الحاضر”، بل وصل الأمر ببعض تلامذته المقربين إلى التصريح بأن: “قول الشيخ ربيع لا يحتاج إلى دليل، بل قوله هو الدليل”، وهو ما يمثل هدمًا لعلة العقل والشرع معًا التي تأبى العصمة لغير الأنبياء.

  1. السطحية السياسية والمآلات الكارثية:

تجلت السطحية العقلية في الفتاوى الميدانية التي لم تقرأ مآلات الأفعال ولم تزن المصالح والمفاسد عقليًا.

مثال ذلك: في الأحداث الليبية، تنقلت فتاوى المدخلي من إيجاب طاعة القذافي وتحريم الخروج عليه، إلى الإفتاء الفوري بدعم الفصائل المسلحة التابعة لـ”خليفة حفتر” والمشاركة في القتال الميداني (ما عُرف بالكتائب السلفية في ليبيا). هذا الاضطراب أقحم أتباعه في حرب أهلية وسفك دماء معصومة، مما يبرهن على قصور عقلي في فهم السياسة الشرعية وأبعادها الدولية.

ختامًا:

إن تفكيك طروحات ربيع بن هادي المدخلي عبر بوابات العلم والدين والعقل يوضح أننا أمام ظاهرة غلوّ انحرفت عن الجادة السلفية المستنيرة التي كان عليها كبار علماء السلفية في هذا العصر كالشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين. وبناءً على ما تقدم من وقائع وأمثلة، فإن هذا المنهج حمل في طياته عوامل هدمه؛ نظرًا لهذه الثلاثية:

  1. قصوره العلمي،
  2. واختلال ورعه الشرعي،
  3. واضطرابه العقلاني،

مما يوجب على الباحثين وطلاب العلم الحذر من سلوك هذا المسلك الإقصائي حفاظًا على بيضة العلم ووحدة صف المسلمين.

ومن الجدير بالذكر أنني لم أجد أحدًا من العلماء الكبار وصف ربيع المدخلي بأنه إمام أو علامة أو محقق أو عالم في الفقه أو التفسير أو الأصول أو أي علم من العلوم! وواقعه العلمي وكتبه تدل على عدم إدراكه علوم الشريعة الغراء حق الإدراك؛ فتأمل أيها القارئ ولا تغتر بكثرة المدح الكاذب من الصغار والأتباع.

واللهُ الموفِّق لا رَبّ سواه.

editor

هيئة التحرير بمجلة روى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى