مقالات

أقومية القرآن من القولبة الحداثية إلى المركزية المعرفية

أَقْوَمِيَّةُ القُرْآنِ
مِنَ القَوْلَبَةِ الحَدَاثِيَّةِ إِلَى المَرْكَزِيَّةِ المَعْرِفِيَّةِ

 

(محاضرة للدكتور نايف بن نهار)
تفريغ وتحرير: أسرة تحرير مجلة روى

 

تتردد على الألسنة وتُقرأ في المصاحف آيةٌ كريمةٌ هي أصلٌ في بابها، وميزانٌ يقام عليه الاجتماع الإنساني كله؛ وهي قول الحقّ جلّ وعلا: ﴿إنَّ هَٰذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. غير أن السؤال الناهض الذي يفرض نفسه على كبار المفكرين وأهل البصر بالواقع هو: هل هداية القرآن للتي هي أقوم حقيقةٌ قائمةٌ في واقع المسلمين فرادى وجماعات، وفي النظم المؤسسية والتنفيذية، أم أنها غدت مجرد آيةٍ يُتبرك بتلاوتها، وتُزيّن بها الممتلكات والمحاريب، دون أن تمتد يدها لتوجيه بوصلة الحياة وإدارة شؤون الاجتماع؟

للجواب عن هذه التساؤلات جاءت محاضرة الدكتور نايف بن نهار مدير مؤسسة وعي، التي ألقاها في جامع حمزة رضي الله عنه، بإسطنبول – تركيا، بتاريخ 8/8/2026م. والتي حملت عنوان: (أقومية القرآن من الإمكان إلى التمكين).

وها هنا يجد القارئ تفريغًا لهذه المحاضرة، مع تحريرٍ يجعلها أصلح للمواد المكتوبة التي تختلف بطبيعتها عن المواد المسموعة.

أولًا: السياق التاريخي ونشأة “القولبة” المعرفية

منذ أكثر من قرن من الزمان، والعالم يعيش تحت وطأة مفهوم “العولمة الثقافية”. والعولمة في تعريفها الإجرائي العملي لا تعدو أن تكونَ محوًا تدريجيًا لأصالة الأمم وخصوصياتها المفهومية لصالح نموذجٍ رئيسٍ مهيمن، وهو النموذج الغربي. وقد جرت هذه الإذابة إما (انبهارًا) بالماديات والتقنيات، وإما (اضطرارًا) بالسيطرة السياسية والعسكرية والضغط الدولي.

ولم تكن الأزمة في السيطرة المادية فحسب، بل في ما أنتجته من “قولبة العقول”؛ حيث وُضعت أطرٌ محددةٌ للتفكير لا يُسمح للعقل بالخروج عنها. فصار العقل المسلم يفكر وينتج، ولكن داخل “الغرفة الضيقة” التي حددها النموذج المهيمن:

 * في السياسة: يُسمح بالحديث عن نظام إسلامي، بشرط أن ينقاد كليًا للقالب الديمقراطي الليبرالي وأشكاله الحزبية.

 * في الاقتصاد: يُرحّب بالاقتصاد الإسلامي، شريطة أن يُفصّل على مقاس المنظومة الرأسمالية بمؤسساتها المصرفية والبورصية والأسواق المالية، فتتحول العملية إلى “ترقيع” وتحايل شكلي تحت دافع الضرورة.

 * في العلوم الاجتماعية والنفسية: تُقبل التصورات الإسلامية بشرط أن تُدرج كفروعٍ هامشيةٍ داخل أيديولوجيا علم الاجتماع أو علم النفس الغربي.

فشاعت بسبب ذلك مشاريعُ كثيرة رُفعت فيها عناوين “الأسلمة” و”المعاصرة”، وكان واقعها العملي هو أسلمة الغرب والتوفيق معه، وجعل النموذج الغربي هو الأصل والمركز الذي يُسعى لإرضائه والنقد على أساسه، بدلًا من تنشئة معرفةٍ إسلاميةٍ تتأسس تأصيلًا ابتدائيًا من الوحي، ثم تستفيد من الإنتاج الإنساني النافع من موقع الهيمنة والاستعلائية الإيمانية.

ثانيًا: لحظة الانشطار التاريخي والفرصة المتاحة

لقد استمر تكرير الأسئلة ذاتها التي طُرحت قبل قرن من الزمان في أدبيات مفكري الأمة دون تقدم ملموس، إلى أن بدأت هذه القولبة بالانشطار والتشظي حديثًا بفضل عاملين رئيسين:

 * العامل الأول: طوفان الأقصى وانكشاف المنظومة الغربية: لقد زلزل هذا الحدث الوعي العالمي، وقضى على حالة “الانبهار” بالنموذج الغربي وشعاراته حول حقوق الإنسان والحرية، حتى عند منصفيهم وعقلائهم، ودفعت المفكرين لمراجعة مسلماتٍ ظُنّ أنها نهاية التاريخ. وليس طوفان الأقصى وحده الذي أحدث هذا الزلزال، بل سبقته الحرب الروسية الأوكرانية، لكن طوفان الأقصى كان الحد الفاصل في ذلك.

 * العامل الثاني: تخلي الإدارة الأمريكية عن التنظير الليبرالي: حيث أعلنت الوثائق الاستراتيجية الرسمية التخلي عن الاستعمار الثقافي وتصدير الحريات، والتركيز المباشر على مصالحها العسكرية والاقتصادية، مما أنهى حالة “الاضطرار” والإكراه التي كانت تُفرض على الدول والمجتمعات.

إن سقوط (الانبهار) وتلاشي (الاضطرار) يعني أننا نعيش في أقل لحظة تاريخية يقل فيها منسوب الضغط المعرفي، وهي اللحظة الأنسب والأكثر تهيئةً لإقامة مشروع “أقومية القرآن” دون أن يتمكّن الخصوم من نعت المتمسك به بالرجعية أو التخلف.

ثالثًا: المفهوم الإجرائي لـ”أقومية القرآن”

تتأسس أقومية القرآن على ركيزتين متكاملتين تضمنان نقله من حيز الشعار إلى حيز المنهاج:

الركيزة الأولى: الاعتقاد الجازم بأن كل ما في القرآن هو الأقوم

أن ينطلق المسلم من يقينٍ مطلق لا يتسرب إليه الشك في أن كل أمرٍ أو نهيٍ أو قيمةٍ وردت في القرآن هي الخيار الأعدل والأحكم والأصلح للوجود الإنساني:

 * تحريم الربا هو الأقوم في بناء الاقتصاد المستقر.

 * الشورى هي الأقوم في إدارة الحكم والسياسة.

 * القوامة والولاية هي الأقوم لاستقرار الأسرة وسعادة الزوجية.

 * الوفاء بالعهود هو الأقوم في السياسة والعلاقات الدولية، بخلاف ما يُسمّى بالواقعية السياسية التي هي في حقيقتها انتهازيةٌ ومناقضةٌ للمبادئ الأخلاقية.

الركيزة الثانية: تقويم كل ما سوى القرآن بالقرآن

إن أقومية القرآن لا تنفي العلوم والتجارب البشرية ولا تلغيها، بل تُرِدّها إليه وتحكمها بمعياره. فالقرآن وصف نفسه بأنه ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، ولا هيمنة إلا للحق سبحانه ولكتابه.

ومثال ذلك: المقولة الحداثية الشائعة التي رسخها الفيلسوف فرانسيس بيكون: (المعرفة قوة)؛ إذ ينظر إليها الغرب كأداة للسيطرة والتمكين. بينما يراها العقل القرآني من زاوية مختلفة كليًا: (المعرفة مسؤولية)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. فهذا التقويم أعدل في ضبط المسار الأخلاقي للمعرفة.

رابعًا: الصفات الأربع للعقل الذي يريده القرآن

لكي يستطيع الإنسان التعامل مع القرآن واستمداد الأقومية منه، لا بد أن يُشَكَّل عقله وفق المعالم التي خطها الوحي. والقرآن الكريم يبتغي بناء عقلٍ متميزٍ بأربع صفات رئيسة:

 * العقل المتسائل:

   عقلٌ لا يكتفي بالتلقي السلبي، بل يبحث ويسأل؛ كما كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم في سؤالاتهم وحرصهم على استكشاف مراد الله. فالأسئلة التأسيسية هي التي تفتح مغاليق النصوص وتستثير الفهم.

 * العقل الناقد (لغيره ولذاته):

   عقلٌ يمتلك القدرة على التمييز والفرز، وإقامة القسط ولو على النفس. وقد أوجب القرآن الاستماع للقول واتباع أحسنه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]، وما كان للمرء أن يتبع “الأحسن” وينحي “الحسن” إلا إذا امتلك ملكة النقد والتمييز والتقويم الذاتي والمنهجي.

 * العقل البرهاني:

   عقلٌ يدور مع الدليل حيث دار، ولا يقبل الأفكار والادعاءات إلا ببيّنةٍ واضحةٍ وحجةٍ قائمة. وتكرر في النص القرآني المطالبة بالبرهان: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. فالعقل القرآني ينبذ التبعية والتقليد والأوهام.

 * العقل الاعتباري:

   عقلٌ يتجاوز النظرة السطحية للأحداث والقصص والسنن الكونية والتاريخية ليغوص إلى استخراج العبر والدروس. فالقصص القرآني لم ينزل للتسلية التاريخية، بل جاء ليعتبر به أولو الألباب، وليستنبطوا منه قوانين الحركة الاجتماعية والتربوية والسياسية.

إذا غابت إحدى هذه الصفات الأربع، اختل تعامل العقل مع القرآن، وحُرم من جني هداياته الأقوم.

خامسًا: التحديات والعقبات في طريق المشروع

إن تنزيل هذا المشروع على الواقع يصطدم بعوائق منهجية ونفسية واجتماعية، ينبغي الوعي بها لمعالجتها:

 * أزمة هجر القرآن وسطحية التعامل:

   ليس الهجر محصورًا في ترك التلاوة والحفظ، بل إن أشد أشكاله خطورة هو هجر التدبر والعمل. فالعمل بالقرآن ليس مجرد امتثال الأحكام الفقهية المباشرة كالصلاة والصيام، بل تشمل امتثال أوامر التدبر والتفكر. والعلة الغائية من إنزال الكتاب هي التدبر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. وقد تجد حافظًا للقرآن أو معلمًا للقراءات وهو هاجرٌ له لعدم تدبره والعمل به واستخراج هداياته. كما أن الصحابة الكرام -كما حكى ابن عمر- كان الرجل منهم لا يقيم إلا سورة واحدة يمكث معها سنوات، لأنهم كانوا يرونه كتاب هداية وإخراج من الظلمات إلى النور، بينما تحوّل التعامل المعاصر إلى مسارعة في الختمات والتغني بالأصوات.

 * غياب الصدق مع الله والتحيزات المسبقة:

   قد يكون المرء صادقًا في معاملاته مع الناس، ولكنه يفتقد الصدق في تعامله مع كتاب الله ومع نفسه؛ حيث يدخل على النص وفي ذهنه تصورات وتحيزات مسبقة مذهبية أو فكرية أو اجتماعية يريد فرضها على القرآن وليّ أعناق النصوص لخدمتها، بدلًا من الانقياد الكامل ليكون القرآن هو القائد والموجه. فربما يكون الصدق مع الآخرين أمر سهل، لكن الصدق مع الله من الصعوبة بمكان.

 * مواجهة الفئات الأربع المعرقلة للحق:

   عند طرح أي مشروع إصلاحي مستمد من القرآن، ينقسم الناس تجاهه إلى أربع فئات:

  1. الفئة المتضررة: وهم الظلمة وأصحاب المصالح الذين يتهدد القسط القرآني مكاسبهم الجائرة (كما تصدى ملأ قريش وعلماء بني إسرائيل للدعوة).
  2. الفئة الحاسدة: التي لا تعادي المبدأ في ذاته، بل تحارب حَمَلَة المشروع والقائمين عليه حسدًا من عند أنفسهم.
  3. الفئة الانتهازية: التي تقف في المناطق الرمادية زمن الكلفة، فإذا نجح المشروع أقبلت تطلب المغانم (كشأن الأعراب في الفتوح والغنيمة).
  4. الفئة الصادقة: وهي الفئة التي تحب الحق ولكنها تجهله، ولا تتوانى عن اتباعه متى ما تبين لها. وهذه الفئة هي التي يجب أن تُصرف إليها الجهود، ويُركز عليها الخطاب، وتُبنى معها العمليات التأسيسية.

سادسًا: التجسيد الميداني ومسؤولية الأفراد

إن أقومية القرآن ليست دَرَكًا منوطًا بالعلماء والمؤسسات الرسمية فحسب، بل هي تكليفٌ عينيٌّ يقع على كاهل كل مسلم بحسب وسعه وتخصصه:

 * في الأسرة والمجتمع: بإعادة بناء المعايير، وإيثار الصدق في الصحبة والبيئة العملية: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

 * في المؤسسات والتعليم: بإبراز القيم القرآنية الحاكمة كقيمة “الشكر” وتطبيقها كبرنامج عملي متكامل يربي النشء على معرفة النعم وأداء حقها، بدلًا من الاقتصار على المناهج الحداثية.

 * في التخصصات الميدانية: (الهندسة، الطب، الإدارة، الاقتصاد، السياسة) بأن يطرح كل متخصص سؤالًا كليًا: كيف يهديني القرآن للتي هي أقوم في مجالي الدقيق؟ وبناء مؤشرات قرآنية إجرائية تُقيم البنوك والمؤسسات والمدارس وتكشف مدى انسجامها مع الوحي.

إنّ مثل القرآن في الأرض كمثل النهر العظيم الذي أجراه الله؛ وجوده أصل الحياة، لكنه لا يسقي زرعًا ولا يروي ظمأً إلا إذا قام الناس إليه فغرفوا منه، وشقوا الجداول إلى أراضيهم. وكتاب الله بين أيدينا نورٌ يطلبُ أرضًا صالحةً تزهر به. ومتى ما أُزيلت الغشاوة عن العقول، واستُعيدت الركائز الأربع للتفكير القرآني، تحولت “أقومية القرآن” من آيةٍ متلوةٍ إلى منهاجِ حياةٍ يخرج الأمة والإنسانية من ظلمات التشتت والقولبة إلى نور الهداية والاستقامة.

نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، إنه سميع مجيب.

editor

هيئة التحرير بمجلة روى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى