دراسات

آفة النقد التاريخي عند المعاصرين يوسف سمرين نموذجا

رد على مقال مدامع ومدافع

آفة النقد التاريخي عند المعاصرين
-يوسف سمرين نموذجًا-

 

عمر ماجد السنوي 

إنّ مِن بَليّة هذا الزمان أن يمتدّ قلمُ العبَث النقديّ إلى ألواح المعرفة الحقَّة فينزعَ عنها جلالَها، وأن يستطيلَ ذو النظرِ القاصرِ على مناهجِ الأئمةِ الأكابر فيحسبَ مَقاييسَ النقدِ والتحقيق بضاعَةً ملقاة على قارعة الطريق! استقاها (بعضُ) مُدَّعي الثقافة من أساليب (بعضِ) المستشرقين، في قراءاتهم للتاريخ الإسلامي، التي اتّسَمَت بالانفصال عن الحقبة التاريخية المراد دراستها، أو التحليل المُعتمِد على مَلْء الفراغات بحسب خواطرهم النفسية عند قراءة بعض نصوص التراث، وعلى تشويه شخصيات إسلامية في مقابل رفع شأن شخصيات أخرى، بحجج مقتطعة من هنا وهناك لا تصمد أمام الواقع الحقيقي لكل شخصية. كل هذا كان نتاج منهجهم القائم على (التحيّز، والقراءة المجتزأة للنصوص، والإسقاط المتخيَّل)([1]).

 ولقد طالعتُ ما سُطِّر في مقالٍ نُشِر مؤخَّرًا على منصة “أَثارة” بعنوان: (مَدامع ومَدافع) لكاتبهِ “يوسف سمرين”، حاول فيه قراءة محطّات من التاريخ الإسلامي بِنظّارةٍ مختلّة، سالكًا أسلوب أولئك المستشرقين، باعتماد منهج التسقيط التاريخي واختزال التراجم الشريفة في قوالب مشوّهة، مع نبرة فيها غمزٌ وتشكيكٌ في مناهج أئمة الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري، وازدراءٌ لِمَقام الوعظ والخطابة عند أعلام السلَف الصالحين.

ولأنَّ النقدَ العلميَّ البنّاء يقتضي تفكيك المقالات إلى أصولها الأولى، فإنّ الوقوف على ما في هذا الطرح من مجافاة للصواب يتطلّب شيئًا من التفصيل لمناقشة أفكاره الرئيسة واستدلالته المنحازة.

أولًا: غمز البخاري وتشويه منهج المحدّثين

قدّم صاحب المقالُ -من حيث يقصد أو لا يقصد- تصويرًا يقدح في احتجاج الإمام البخاري (ت 256هـ) برواية ذر بن عبد الله (توفي قبل 100هـ)([2])، وابنه عمر بن ذر (157هـ)، فذكرَه كأنه نوع من التغاضي عن “إرجائهما”، أو تساهلٌ مع خطاب الوعظ والتجييش العاطفي على حساب النقد العلمي، فقد كرَّرَ صاحبُ المقال ذلك غير مرَّة، وليس ثمَّة مناسبة لإقحام القول بأنهما مِن رجال الصحيح في هذا السياق، إلَّا إيهام القارئ بما يسيء للبخاري ومنهجه، وقد كان بإمكانه أن يشير إلى أنّهما من حيث الرواية كانوا من الثقات في حُكم علماء الرجال -إن احتاج إلى ذِكر ذلك-، ولكنّ اقتصاره على ذِكر البخاري تحديدًا في سياق ذَمّه هَذَين العلَمَين فيه جراءة على منهجٍ نقديّ أبهرَ علماء الدنيا بدقّته واستقامته.

إنّ ميزان العدالة والضبط عند أئمة الحديث كان فوق كل التصنيفات السياسية، لأنّهم -وعلى رأسهم البخاري- لم يكونوا يَبنون أحكامهم على الانتماء السياسي للراوي أو موقفه في الفتن، بل كانت مسطرتُهم الحاسمة هي: العدالة المُطْلقة، والضبط التام، والصدق في النقل([3]).

كما أنّ المحدّثين عرَفوا الإرجاء الغالي الذي ابتدعَه الجهمُ بن صفوان (ت 128هـ) وفرقتُه الضالّة، وهو الذي يُخرِج الأعمالَ عن الإيمان كلّيًّا ويؤدّي إلى المساواة بين المسلم والفاسق والكافر([4])، ففرّقوا بينه وبَينَ “إرجاء الفقهاء” الذي قال به بعضُ ثقات أهل الكوفة -ومنهم ذرّ وابنُه وقيس بن مُسلم (ت 120هـ) وعلقَمة بن مَرثَد (ت 120هـ) وحمّادُ بن أبي سليمان (ت 120هـ) وأبو حنيفة (ت 150هـ) ومقاتل بن سليمان (ت 150هـ) وغيرُهم من الأئمّة- وهو خلافٌ لفظيٌّ في مُسمّى الإيمان -على حدّ تعبير الإمام ابن تيمية (ت 728هـ)([5])-، فلا هو مما يقدح في أمانة الناقل، ولا هو مما يمسّ أصل التوحيد، ولا هو مما يحلّ به دمُ قائله أو يثلمُ عدالته.

بل إنّ صنيع البخاري في إخراجه حديث ذر وابنه عمر ليس عيبًا يُغمز بسببه، إنما هو ذروة النزاهة العلمية؛ فلَمْ يَحرِم الأمةَ مِن حفظ سُنّتها وصحيح آثارها لأجل صراعات التاريخ أو الاختلافات (الفرعية) التي لم تؤثر في أمانة الرواية وصحة الضبط.

ويمكننا أن نستنتج من صنيع صاحب المقال أنّ نظرته تجاه البخاري هي نظرة توافق النظرة الاستشراقية الأيديولوجية التي تُسقط حسابات السياسة المعاصرة على عِلم الرواية، بينما أصل المنهج الحديثي يقوم على تجريد النقل عن الهوى.

ثانيًا: التسطيح التاريخي والطعن في بعض أعلام السلف

سعى صاحب المقال جاهدًا إلى اختزال شخصية “ذر بن عبد الله” وابنه “عمر” في صورة رجُلَين يُتقِنان “صنعة الكلام” واستجداء المَدامع فحسب! دون أن تكون لديهما مؤهّلاتٌ عسكرية وسياسية أو وعيٌ بالواقع، وصولًا إلى تحميل خطابهما مسؤولية الدماء، والغفلة عن الجغرافيا العسكرية (كبناء مدينة واسط) في ثورة ابن الأشعث (ت 85هـ) ضد الحَجّاج بن يوسف الثقفي أمير العراق (ت 95هـ). وهذا التصوير هو في الحقيقة تسطيحٌ يُغفِل المَنزلة العِلمية والدِّينيَّة لهَذين العلَمَين، ومِن المعلوم أنّ القوى العسكرية والسياسية والثورات عمومًا لا تقوم على جانب القوة العسكرية والحنكة السياسية بمعزل عن الفقهاء والخطباء والمؤثّرين، لا سيّما في العصور الإسلامية، بل إلى يومنا هذا رغم انتشار فكرة فصل الدين عن الدولة، فقد ظَلّ دَور القيادة الدينية ودَور الإعلام لا يقلّان أهميّة عن الدور العسكري المباشر والدور السياسي الصِرْف، فإنّ هذه الأدوار وغيرها تتكامل لتصنع القوة، والثورة، والدولة. ولهذا فإنّ الحَجّاج بن يوسف كان أيضًا واعظًا خطيبًا من أصحاب صنعة الكلام (يستدرّ المَدامِع)، فقد رَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ (ت 130هـ) قَالَ: ((سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ، فقال: “امرؤٌ زوَّد نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْحِسَابُ إِلَى غَيْرِهِ، امْرُؤٌ نَظَرَ إِلَى مِيزَانِه”ِ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: امْرُؤٌ، حَتَّى أَبْكَانِي))([6]). لكنّ صاحب المقال أهمل ذِكر ذلك عند حديثه عن الحَجّاج، فالأمر عنده انتقائيّ، لِيَخدم سرديّته المنحازة.

كما أنّ صاحبَ المقال أغفل إغفالًا تامًّا حقيقةَ أنَّ ذرّ بن عبد الله عالمٌ فقيهٌ، مِن فقهاء السلَف الصالح من كبار التابعين([7]) رحمهم الله، وابنه عُمر عالمٌ فقيهٌ مثله([8])، وكان من أقران الإمام أبي حنيفة رحمه الله([9])، بل كان عُمَرُ من شيوخ أبي حنيفة، وإن كان أبو حنيفة أكبر منه([10]).

لم يكتفِ صاحب المقال باختزال شخصيّتَيهما وتسطيح منزلتَيهما، بل إنّه غمز في صدقهما في الوعظ، حين ساق روايةً زعمَ أنّها عن عُمر بن ذرّ (!) وأنّه سأل أباه: “ما بالُ المتكلِّمين يتكلَّمون فلا يَبكي أحدٌ، فإذا تكلّمتَ أنتَ سُمِع البُكاء مِن ها هنا وها هنا؟!”، فقال له أبوه: “يا بُنَيّ، ليس النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى”؛ فجعلَ صاحبُ المَقال مِن هذه الرواية دليلًا على أنهما أجادا فنّ الإلقاء وصنعة الوعظ! مع أنّها رواية صريحة المعنى والدلالة على قضية الصدق والإخلاص والخشية والصلاح، وأنّ ذلك هو العامل الرئيس في تأثير المتكلّم في السامعين، وإلّا فكم من واعظ بليغ الأسلوب فصيح اللسان قدير الكلام لا يؤثّر في الأنام؟! إنما الشأن في صدق البواطن، ولهذا أثبتَ عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت 290هـ) هذه الرواية مُقرًّا لها في زوائده على كتاب “الزهد” لأبيه الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)([11])، ولكنّ المفاجئ في الأمر أنّ الرواية لم تكن عن عُمَر بن ذرّ، بل هي عن ابنه (ذرّ بن عُمَر بن ذرّ)، يَسألُ أباه عُمَرَ؛ فلا علاقة للرواية بتوريث ذرّ بن عبد الله صنعة َالوعظ لابنهِ عُمرَ كما ادّعى صاحب المقال! وهذا الخطأ يكشف لنا شيئًا مهمًّا نحن بصدده، وهو أنّ صاحب المقال شخص منحاز يسير وفق سرديةٍ آمَن بها، وبات كلّما قرأ شيئًا هنا أو هناك يخدمُ سرديته أخذَه واقتبسَه على علّاته، وربّما ظنَّ المُثبَت في الكتاب الأصل خطأً فصوّبه تصويبًا مُحرَّفًا ليخدم سرديته تلك، من غير إتقان لقراءة التاريخ ولا تدقيق في الروايات ولا معرفة بالرجال ولا تحقيق في المخطوطات! مع أن السهو والخطأ وارد على الجميع، ولكنّ وُرودَه بهذه الطريقة وفي هذا المَقال القصير جدًا، ومِن شخصٍ يدّعي النقد التاريخيّ، وهو بصدد تدوين “تاريخ علم الكلام” (!) فإنّ هذا لا يَكون خطأ عاديًا، ولا سهوًا يمكن تجاوزه، بل هو مؤشِّر خطير على عدم اكتمال آلة صاحب المقال من جوانب متعدّدة، ممّا يهزّ ثقة كلِّ عاقل سيقرأ له فيما بعد.

وممّا يؤكّد خطورة الأمر: أنّ صاحب المقال لم يكتفِ بتلك الرواية، فراح ينقل عن تاريخ خليفة بن خياط (ت 240هـ)([12]) روايةً تُصوِّر ذرَّ بنَ عبدِ اللهِ بأنّه كان ينال من الحَجّاج بن يوسف ويُحَضِّض الناسَ على الخروج عليه (بَعدَ أن أعطاهُ ابنُ الأشعث مالًا وكسوة وأمرَه بِفِعل ذلك)!! وعند مراجعة هذه الرواية نرى المؤلِّف يرويها عن شيوخه مرسَلةً بلا إسناد، فكيف نعتمد على ما لا إسناد له، ونبني عليه طعنًا وغمزًا في مصداقية إمام من أئمّة التابعين؟! في حين يتغافل صاحبُ المقال عن الرواية الثابتة التي حدَّث بها الهيثمُ بنُ عَديّ (ت 207هـ)، قال: «أخبرني عُمر بن ذرّ الهمداني أنّ أباه ذرّ بن عبد الله بن زرارة كان مع ابن الأشعث، وأنّه ضربَه وحبَسه لانْقطاعه إلى أخوَيه القاسم وإسحاق ابني محمد، وضُرب وحُبس معهُ عِدّةٌ، منهم: عمران بن عبد الرحمن، وقتادة بن قيس، فلمّا خَلَعَ دعا بهم، فحملَهم وكسَاهم وأعطاهُم، وأقبلوا معه فيمَن أقبَل، فأمّا ذرّ بن عبد الله فكان قاصًّا خطيبًا، فثبتَ معهُ وناصَحَهُ»([13])؛ ففي هذه الرواية سياق مختلفٌ يكشف جَليّة الأمر، وهو أنّ ذلك العطاء والإكساء إنما كان نوعًا من الاعتذار عن ضربهم وحبسهم، فلو كان عطاءَ رشوةٍ أو استمالةٍ لَمَا كان ذرٌّ من الناصحين له، إذْ كان يكفيه أن يفعل ما أمرَه به من التحضيض الذي ورد في تلك الرواية المرسَلة.

أضف إلى ذلك تكرير صاحب المقال لفظة (قاصّ) في حقّ عُمر بن ذر وفي حقّ أبيه، والاكتفاء بها وصفًا لهما، وهي لفظة مذمومة في عُرف علماء الحديث([14])، لأنّها مرتبطة بالقصّاصين أصحاب الخرافات الذين يغلب عليهم عدم الفقه بالدين وعدم تحرّي الحديث الصحيح، إنما شأنهم وضع الأحاديث المكذوبة لجذب السامعين، أو تجميع الروايات والحكايات من هنا وهناك وكأنّ الواحد منهم حاطب ليل! فلذلك كان صاحب المقال يتجنّب وصفهما بأنّهما من الفقهاء أو من المُحدِّثين، فضلًا عن أن يعترف بأنّهما من المكثرين من رواية الحديث، أو على أقل تقدير يطلق عليهما وصف القاص في سياق المدح لتفريقهما عن القصّاصين، كما فعلَ أبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) حين وصف عمر بن ذر بأنه (من الأولياء الأصفياء الواعظ البَرّ الرافض للشرّ عمر بن ذرّ)([15])، لكنّ صاحب المقال اكتفى بوصف ذرّ بن عبد الله بأنّه (احترف خِطاب المَدامع الذي كان يغطي على نقص المؤهلات فلم يكن عسكريًا ولا سياسيًّا إنَّما كان قاصًّا… وبقي قاصًّا) هكذا قال! ثُمّ وصفَ ابنَه عمرَ بأنّه (عاش واعظًا وراويًا بين النَّاس)! فيا له من وصفٍ يقطُر ازدراءً وتسطيحًا معَ عِلم قائلِه باتّفاق كلمة أئمّة الجرح والتعديل على أنهما من ثقات المُحدّثين.

ثالثًا: السياق الصحيح لثورة ابن الأشعث:

كان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أحد أبرز قادة الفتوحات الإسلامية ووالي سجستان، وكان هو نفسُه صاحب أعظم الثورات التي حصلت في القرن الأول (بين سنتي 81 – 83هـ)، لأنها تميّزت بكثرة المشاركين فيها والمؤيّدين لها من أهل العلم والصلاح، فلم تكن خروجًا عاطفيًا ساعدَ عليه خطيبٌ متهّورٌ متحمّسٌ أوقعَهُم في غفلةٍ عن قاعدة الحَجّاج العسكرية بـ”واسط” -كما صوّرَ صاحب المقال-، بل كانت حركة كبرى انخرط فيها خيار أئمّة التابعين وفقهائهم وقرّائهم وعُبّادهم فضلًا عن الجماهير التي عانت الظلم والعسف؛ فبالإضافة إلى قائدها العسكري والسياسي المحنّك ابن الأشعث، وجنوده واتباعه، شاركَ فيها عددٌ من العلماء والصالحين؛ فمِن أئمّة التابعين المشاركين: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (ت 81هـ)، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (ت 82هـ)، ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (ت 82هـ)، وأَبُو البَخْتَرِيِّ الطَّائِيّ (ت 82هـ)، وكُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ (ت 82هـ)، وأَبُو الشَّعْثَاءِ المُحَارِبِيّ (ت 83هـ)، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ت 95هـ)، والنَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (ت 100 هـ)، ومُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ (ت 100هـ)، وعَامِر الشَّعْبِيّ (ت 103هـ)، ومَالِكُ بْنُ دِينَارٍ (ت 130هـ)، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ (ت 136هـ)، وغيرهم كثير من أبناء الصحابة وتلامذتهم، حتّى رُوي أنّ عددهم بلغ خمسمئة من العلماء والقرّاء([16])، وكانت كتيبتهم أشد الكتائب بأسًا على جيش الحجّاج وأكثر إثخانًا فيه، لصدقهم وديانتهم، وقد لاقى الحَجّاج في مواجهة هذه الكتيبة عنتًا شديدًا([17]). وقال شُعبة بْنُ عَيَّاشٍ (ت 193هـ): «كَانَ الْعُلَمَاءُ يُحَدِّثُونَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ خَارِجَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْجَمَاجِمِ وَالْحَرَّة([18])»([19]). زد على ذلك تأييد الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه لخروج ابن الأشعث، وتأليب الناس على الحَجّاج([20]).

فهل يستطيع صاحب المقال أن يكون شجاعًا ويخبرنا عن سبب إغفاله هذه الجوانب؟ وعن هدفه السامي من قراءته التاريخية المبتسرة لهذه الثورة؟ وعن سرّ مُحاكمته مَواقف هؤلاء الأعلام بأسلوبه الغارق في التدليس؟ وعن تجريده خروجَهم مِن أبعادِه العقلية والشرعية والواقعية والعسكرية والسياسية والاجتماعية ضد ظلم الحَجّاج وطُغيانه وحُمقه وسوء سياسته؟

وهنا لا بُدّ من وقفة مع مُوازنَته العجيبة بين صنيع أعلام التابعين الذي وصفه بأنّه (تمرُّد مبني على ضغينة تجاه السلطة الأموية مع حماسة خاوية من الوعي السياسي والعسكري)، وبين صنيعِ الحَجّاج بن يوسف الذي وصفه بأنّه (ذو كفاءة عالية ونباهة وفطنة واقتدار)؛ فنتساءل: هل كان صاحبُ المقال يتكلّم عن تاريخنا الذين نعرفه، أم هو تاريخ جديد يريد أن يرسمه لنا بناءً على إسقاطاته النفسية وولعه بالفلسفات الغربية؟! لأنّ الحقيقة التي نعرفها أنّ ثورة ابن الأشعث التي استمرّت نحو عامين، كان فيها كرٌّ وفرّ، هزيمةٌ ونصر، فقد استولى على البصرة ثمّ على الكوفة، ولم تكن ثورته بذاك الفشل الذي صوّرَه صاحبُ المقال، ولم يكن المشاركون فيها مجرّد أناس متحمّسين لا علاقة لهم بالوعي العسكري والسياسي -كما زعَمَ-؛ فابن الأشعث كان من أشراف قادة العرب، وكانت له آراء تجديدية في طرائق القتال في فتوحاته، وكان حكيمًا في مفاوضاته ومسالماته، وكان إداريًا ناجحًا في ولاياته([21])، وقد جمع الله له بين قتال المختار الثقفي والحجّاج الثقفي([22])، وقد روَى الإمام الحُميديّ (ت 219هـ) بإسنادٍ صَحيح أنّه (لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ -رضي الله عنهُ وعن أبيه-، دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنها وعن أبيها-، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [يعني عبد الملك] أَوْصَانِي بِكِ، فَهَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَتْ: مَا لِي مِنْ حَاجَةٍ وَلَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ، وَلَكِنِّي أُمُّ الْمَصْلُوبِ عَلَى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ [تعني ابنَ الزبير]، وَلَكِنِ انْتَظِرْ أُحَدِّثْكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ» فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ -تَعْنِي الْمُخْتَارَ-، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ)([23]).

وقد وصفَ بعضُ أعلام السَّلف الحجّاجَ بأنّه لا يَصلُح لِدينٍ ولا لِدُنيا، فقد قال أمير المؤمنين عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (ت 101هـ): (لَوْ تَخَابَثَت الأُمَمُ، وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ، مَا كَانَ يَصْلُحُ لِدُنْيَا وَلا لِآخِرَةٍ، وَلِيَ الْعِرَاقَ، وَهُوَ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِمَارَةِ، فَأَخَسَّ بِهِ)([24])؛ فأين الكفاءة العالية التي زعمها له صاحبُ المَقال؟! ويكفي الحجّاجَ غباءً وحمقًا أنّ سياسته جعلَت جماهير الأمة وعلماءها يرتضون الخروج عليه إمّا مُشاركين أو مؤيّدين. أضف إلى ذلك أنّ سببَ الخلاف الذي جعلَ ابنَ الأشعث يخلع الحَجّاج هو حُمق الحجّاج في معاملة ابنِ الأشعث وقادة جيشه، وعدم موافقته على ما رأوه من سياسة الأمور في ولايته([25])؛ فمن أين لصاحب المقال القول بذكاء الحجّاج وفطنته؟! ولولا الجيوش التي أمّده بها عبد الملك بن مروان للقضاء على الثورة وتثبيت مُلكه، لَمَا بقيَ له أثَر.

ولقد تأمّلتُ المقال مرارًا ودقّقتُ النظر في محاكمَته وموازنته تلك، فوجدتها لا تؤدّي إلّا إلى تحقير تاريخِ وَاقعٍ مُعَقَّد عاشَهُ خِيار اُمَّة الإسلام، ولا تؤدّي إلّا إلى تسطيح الفكر العربي والإسلامي في عصره الأزهَر، فيا لها من قراءة تاريخية تحليلية مشوّهة تَقَرّ بها عيون المستشرقين.

نَعَم، يجوز للباحث -كما جاز للعلماء عبر القرون- أن يَدرُس هذا التاريخ، وأن ينظر فيه نظرة تحليل، لكشف أسباب فشل الثورة، وأسباب انتصار الطغيان، ويأخذَ مِن ذلك الدروس والعِبَر، وربّما يقوده اجتهاده كما قادَ العلماءَ مِن قبلُ إلى تقرير قاعدة مهمّة في الفقه الإسلامي، وهي: (قلّة جدوى الخروج العسكري على الحاكم الجائر)، هذه القاعدة التي جعلَتْ بعضَ أهل العلم يرى أنّ كلمة العلماء استقرت على حرمة هذه الثورات المسلّحة بالنظر إلى عواقبها، إذْ كانت تؤدي إلى مزيد من الفساد وسفك الدماء([26])؛ فكان لرأيهم هذا حظ من النظر، لأنه رأي علمي منضبط بقواعد النقد، ليس فيه تسقيط لِعُلماء السلف، ولا تسفيه لعقول أعلام العرب والمسلمين الأوائل.

 

رابعًا: تاريخ بناء مدينة واسط وسبب إنشائها

اتَّهمَ صاحبُ المقال الثوّارَ من التابعين في خُروجهم مع ابن الأشعث أنّهم جَهلوا (التحذير الواقعي قبل ثلاث سنوات من خروجهم مع ابن الأشعث، بما كان ينتظرهم من وجود قاعدة مستقلة للحجَّاج بن يوسف هي واسط!) قال هذا بناءً على اعتقاده أنَّ بناءَ الحَجّاجِ مدينةَ واسطٍ كان قد اكتمل سنة (78هـ)، معتمدًا في ذلك على رواية شاذة لم يروها سوى بحشل الواسطي (ت 292هـ)([27])، وهي رواية تُخالف جميع ما رواه المؤرّخون الآخَرون، يرويها بحشل عن هشام بن عبد الأعلى الواسطي، عن أبيه، وكلاهما مجهولا الحال! ويرويها عبدُ الأعلى عن سليمانَ بنِ الحكَم بنِ عَوانة (ت بعد 204هـ)، عن أبيه عن جدّه، وسليمان متروكُ الحديث([28])، إلا أنّه عالم بالأخبار([29])، لعلّه ورث ذلك عن أبيه الحكَم (ت 122هـ)([30])، أمّا جدّه عوانة (ت ق 1هـ)، فكان نحويًّا أديبًا([31]).

وفي مَتن هذه الرواية ما ينقض التأريخ بسنة (78هـ)، إذْ وردَ فيها أنّ الحَجّاج لمّا أنفقَ على بناء واسط ما يُقدَّر بِـ«خَراج العراق كُلِّه خمسَ سِنين؛ فَخاف من عبد الملك أنْ تَثقُل عليه النفَقة. فكتبَ إليه: أنّي اشتريتُ مَوضع مدينة واسط. وأنفقتُ عليه وعلى حَرب ابنِ الأشعثَ ما صار إليَّ مِن الخَراج. ثُمَّ نقَلَ إليها مِن وُجوه أهل الكوفة وأمَرَهم أنْ يُصلّوا عن يمين المَقصورة. ونقَلَ مِن وُجوه أهل البصرة وأمَرَهم أنْ يُصلّوا عن يسار المَقصورة. وأمرَ مَن كانَ معهُ مِن أهل الشام أنْ يُصلّوا بِحِيالهِ ممّا يَلي المَقصورة»([32])؛ ففي هذا النَّصِّ ذِكْر حرب ابن الأشعث، وهي التي كانت بين عامَي (81-83هـ)، وفيهِ ذِكْر مَن معه مِن أهل الشام، وهم إنما جاؤوا إليه لدعم معركته مع ابن الأشعث، فكيف يستقيم أن يكون ذلك سنة (78هـ)؟! يؤكِّد ذلك ما ذكره إسحاق بن الحسين (ت نحو 450هـ) قال: «وهي ليست قديمة، بناها الحجاج بن يوسف، عامل عبد الملك بن مروان. وكان سبب بنائها، أن عبد الملك أرسل جنودًا من أهل الشام إلى الحجاج بن يوسف، ليكونوا عونًا له على الحروب، فضاقت منهم أهل العراق، لأنهم كانوا ينزلون عليهم في الدور، ويتطاولون إلى نسائهم، فشكوا ذلك إلى عبد الملك بن مروان، فأمرَ الحجّاجَ أنْ يبنيَ لأهل الشام مدينةً ينقلهم إليها»([33]). وهذا النَّصّ يكشف زيف دعوى صاحب المَقال حين قال: ((فطِنَ الحَجّاجُ بنباهةٍ واقتدارٍ إلى أمر الكوفة والبصرة… وأنَّه لو بقي فيهما فإنَّ هذا يسهِّل الهجوم على قوَّاته وسحقها، فاختار أن يتمركز في موضع يتوسط الكوفة والبصرة، يمكّنه من الحركة ويَمنع قوَّاته من أنْ تُحاصَر، فعمد إلى بناء قاعدة منفصلة عنهما، وهكذا بنى الحجَّاجُ واسط)) فجعلَ صاحبُ المَقال مِن الحجّاجِ رجُلًا خارقًا بناءً على أوهامه وقراءته الناقصة!

زد على ذلك أنّ واقع المعارك التي دارت بين كتائب ابن الأشعث وكتائب الحَجّاج تُكذِّب دعوى صاحب المَقال أنّ واسط كانت قاعدة مستقلة آنذاك؛ فجميع المعارك التي دارت بينهما لم تكن لها أي علاقة بواسط، إنما كانت في الأهواز ثم البصرة ثم الكوفة. أمّا انطلاق الحجّاج إلى الخارجين فقد ابتدأ مِن البصرة حتى التقاهم في الدجيل بالأهواز، فانهزم الحجّاج، وتبعوه إلى البصرة واستولوا عليها. فخرَج إلى الكوفة وتبعوه إليها فاستولوا عليها وعلى بيت المال. ثم عاد إلى البصرة واستردّها، ثُمّ اعتمدَ على الجيوش التي يرسلها إليه عبد الملك من الشام حتى كانت معركة دير الجماجم بالكوفة وهي من أكبر المعارك بينهما. وهذه الوقائع معروفة لِمَن قرأ في المصادر التي روَت أخبارها، وقد ذكرتُ بعضَها آنفًا عند الحديث عن السياق الصحيح لثورة ابن الأشعث.

ولهذا كلِّه كان الثابتُ المقرَّر عند المؤرِّخين أنّ تاريخ بناء مدينة واسط بين عامَي (83-86هـ)، وهو معروف لديهم، مرويًا من عدّة طُرُق، حتى كانوا يؤرّخون بهِ بعضَ الأحداث، كقول بعضهم: «وكانت وفاته [أي: يحيى بن سيرين] بالطاعون الذي وقع بالبصرة بعد سُكنى الحَجّاج بلدةَ واسطٍ في حدود التسعين»([34]). وقال غيره: «طاعون الفتيات [سمي بذلك] لأنه بدأ في العذارى والجواري بالبصرة، وبواسط وبالشام وبالكوفة. والحَجّاج يَومئذٍ بواسط في ولايةِ عبد الملك بن مروان، ومات فيه عبد الملك بن مروان، أو بعدَه بقليل، ومات فيه أمية بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعليّ بن أصمع، وصعصعة بن حصن، وكان يقال له: طاعون الأشراف»([35]).

ويزيد ذلك تأكيدًا ما رواه ابن عساكر (ت 570هـ) قال: «أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم، عن أبي الحسن رشأ بن نظيف، قال: أنبأنا أبو شعيب عبد الرحمن بن محمد وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن، قالا: أنبأنا الحسن بن رشيق، قال: أنبأنا أبو بشر الدولابي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن القاسم، قال: أخبرني أبي، قال: حدثني صالح بن الوجيه، قال: وفي سنة ثلاث وثمانين… وجّه في طلب ابن الأشعث عمارة بن تميم ومحمد بن الحجاج ورجع الحَجّاج إلى واسط فابتدأَ في بِنائها»([36]).

فالقول الحقّ الذي عليه المؤرّخون وتدلّ عليه الوقائع، هو أنّ ابتداءَ بناءِ واسط كان سنة (83هـ) وإتمامَه في السنة الّتي توفّي فيها عبدُ الملك بن مروان (86هـ). وقد روى ذلك: الحسنُ بن صالح بن حيّ (ت 169هـ)([37])، ويحيَى بن آدم (ت 203هـ)([38])، وعبد الحميد الحاسب (ت ق 2هـ)([39])، والأصمعيّ (ت 216هـ)([40])، والبلاذُريّ (ت 279هـ)([41])، وابنُ جَرير الطبريّ (ت 310هـ)([42])، والمسعوديّ (ت 346هـ)([43])، وابن عساكر -كما أسلفنا-. وقال بهِ: ابنُ الفقيه الهمداني (ت 365هـ)([44])، وأبو القاسم بنُ مَنده (ت 470هـ)([45])، والسَّمعانيُّ (ت 562هـ)([46])، والعمادُ الأصفهانيّ (ت 597هـ)([47])، وياقوتُ الحمويّ (ت 626هـ)([48])، والعزّ ابنُ الأثير (ت 630هـ)([49])، والنووي (ت 676هـ)([50])،  وقاضي واسط زكريا القزويني (ت 682هـ)([51])، وابنُ العِبريّ (ت 685هـ)([52])، والملك المؤيَّد أبو الفداء -سُلطان حَماة- (ت 732هـ)([53])، والذهبيّ (ت 748هـ)([54])، وابن الوردي (ت 749هـ)([55])، والصفديّ (ت 764هـ)([56])، وابنُ كثير (ت 774هـ)([57])، وابنُ خَلدون (ت 808هـ)([58])، وغيرهم كثير جدًّا ممَّن أرَّخ لبناء مدينة واسط.

أمّا ابنُ الجوزي البغدادي (ت 597هـ) فقد أرَّخ لبناء واسط في كتابه “المنتظم” بتأريخَين، أحدهما المذكور في كتاب بحشل الواسطي أنه سنة (78هـ)، والآخر ما ذكره سائر المؤرخين وهو سنة (83هـ). وسبب هذا التناقض عند ابن الجوزي أنّه كان مُهْتمًّا في غالب كتبه بالجمع والتدوين فحسب، دون عناية بالتمحيص والتدقيق والتحرير؛ فربّما نقلَ الشيءَ ونقيضَه!

وأمّا سبب بناء الحجّاج مدينةَ واسط، فقد سبق أن أشرنا إليه في نَصّ إسحاق بن الحُسين مختصرًا، وحكاه الطبريّ في تاريخ مطوّلًا، وكذا ابن الأثير، وغيرهما. قال الطبري: «ذِكْر خبَر بِناء مَدينه واسِط: وفي هذه السنة [83هـ] بنَى الحَجّاج واسطًا، وكان سببُ بنائه ذلك -فيما ذُكر- أنّ الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمام عمر وكان فتى من أهل الكوفة من بني أسد حديث عهد بعرس بابنة عم له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلا، فطرق الباب طارق ودقه دقا شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت للرجل ابنة عمه: لقد لقينا من هذا الشامي شرا، يفعل بنا كل ليلة ما ترى، يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه، وعرفوا ذلك، فقال: ائذنوا له، ففعلوا، فأغلق الباب، وقد كانت المرأة نجدت منزلها وطيبته، فقال الشامي: قد آن لكم، فاستقنأه الأسدي، فأندر رأسه، فلما أذّن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر وقال لامرأته: إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين أن أخرجوا صاحبكم، فسيأتون بك الحجاج، فاصدُقيهِ الخبرَ على وجهه، ففعلتْ، ورُفع القتيل إلى الحجاج، وأُدخِلت المرأة عليه وعنده عنبسة بن سعيد على سريره، فقال لها: ما خطبك؟ فأخبرته، فقال: صَدَقْتِني. ثم قال لولاة الشامي: ادفنوا صاحبكم فإنّه قتيل الله إلى النار، لا قوَد له ولا عقل، ثم نادى مناديه: لا ينزلنّ أحدٌ على أحد، واخْرجوا فعسكروا. وبعث روّادًا يرتادون له منزلًا، وأمعنَ حتى نزلَ أطراف كسكر، فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حمار له وعبَر دجلة، فلما كان في موضع واسط تفاجت الأتان فبالت، فنزل الراهب، فاحتفر ذلك البول، ثم احتمله فرمى به في دجلة، وذلك بعين الحجاج، فقال: عليّ به، فأتي به، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نجد في كتبنا أنه يُبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع»([59]). فبانَ بذلك بطلان دعوى صاحب المقال من كلّ وجه.

خامسًا: بين التكفير والإرجاء، وفحص العين العوراء

ألحّ صاحب المقال على وصف ذرّ بن عبد الله وابنه بالإرجاء، وكرّر ذلك مرّات، لكنه أراد أن يلفت النظر إلى قضيّة اصطدم بها عند قراءته في تاريخ تلك الحقبة، ربما كانت الصدمة حين عَلِمَ أنّ نشأة القول بالإرجاء لم تحدث إلا بعد فتنة ابن الأشعث، فراح يقول: ((شاركَ ذرّ في ذلك الخروج الطويل… فكان يرى خصومه كفارًا… حتى إذا صارت الهزيمة ضربة لازب اختار ذر بن عبد الله الإرجاءَ مذهبًا له، وانشغل برواية الحديث حتى جعله البخاري من رجال صحيحه كما فعلَ مع ابنه عَمَر، فطال عُمْر ذرٍّ حتى مات بعد الحَجّاج، وأورث تلك الصَّنعة في الوعظ لابنه عُمَر ذلك الذي كان يقول في مجلسه “أعيروني دموعكم”، ولم يتورَّط في خروج على السُّلطة)).

هكذا أراد صاحب المقال أن يَفهَم العلاقة بين التكفير والإرجاء! وأنّ ذرَّ بنَ عبد الله لمّا كان يتمذهب بالتكفير كان من الخارجين على السلطة، ولمّا فشل الخروج صار مرجئًا، وكذلك كان ابنه من بعده لم يتورّط في الخروج على السلطة بسبب اعتناقه مذهب الإرجاء!! وتَناسى صاحبُ المَقال أنّ بعضًا ممّن رُمُوا بالإرجاء كانت لهم مشاركة في الخروج على السلطة، إذ ليس ذلك بمانع من ذلك، كالإمام أبي حنيفة، كان من مرجئة الفقهاء، ومع ذلك سانَدَ ثورة الإمام زيد بن علي سنة (122هـ)([60]).

فمن هذا تتّضح لنا القراءة السطحية والمغالطات الفكرية عند صاحب المقال الذي يُريد أن يُقنِع الناسَ بأنّه قارئ للتاريخ، وربّما سيَخرج عليهم بعدَ دَهرٍ بكتابه الذي يبشِّر به متابعيه بين حين وحين، والذي عنوانه (تاريخ علم الكلام)! فنرى فيه العجب العجاب من التسطيح والتشويه والتدليس والتحكّم والانحياز، بدليل ما رأيناه في مقاله القصير هذا!

وقبل أن أقف مع قضية تهمة الإرجاء، لا بدّ أن أتوجّه بدايةً إلى تهمة التكفير، تلك التي استدلّ عليها برواية تروى عن ذرّ بن عبد الله أنّه كان يقول للثوّار: “هل هي إلا برد حديدة بيد كافر مفتون”([61])؛ فزعم أنّ هذه الرواية تدل على اعتقاده تكفير خصومه. مع أنّ هذه الرواية إن صحّت فلا تدل على هذا العموم، وإنما تدل على تكفيره الحَجّاجَ بنَ يوسفَ نفسَه، وهو قولٌ لبعض علماء السلف، مِنهم: مجاهد وطاووس والشعبي([62])، ومِنهُم مَن لم يصرّح بتكفيره كإبراهيم النخعي، لكنّه كان يلعنُه بلعنة الظالمين، وكان يقول: “كفى بالمرء عمىً أن يَعمَى عن أمر الحَجّاج”([63]).

أمّا الرواية التي استدلّ بها صاحب المقال فهي لا تصحّ أصلًا، لأنّ آفتَها أبو إسرائيل المُلّائي، وهو من الشيعة الغلاة الذين كانوا يسبّون عثمان رضي الله عنه، وكان منكر الحديث، متّفق على ضعفه، وهذه الرواية عنعَنها عن الحكم بن عتيبة، وهو لم يسمع منه. فسقط بذلك الشقّ الأوّل من اتِّهامِ صاحبِ المقال ذَرَّ بنَ عبدِ الله.

وأمّا الشقّ الآخر وهو تهمة الإرجاء، فجميع مَن رماه بها لم يذكروا من كلامه كلمة واحدة دالّة على هذا الاعتقاد، مع كثرة ما روي عنه من كلامه البليغ. بل وجدنا البخاري يروي عنه ما يدل على وقوفه ضدّ الأقوال المحْدَثة والآراء المبتَدَعة، إذْ يقول: «لقدْ أدركْتُ أَشْياءَ، أخْشى أنْ تُتَّخَذَ دِينًا، يَعني المُحدَثَ مِن الرَّأي»([64]). وقد ترجمَ له البخاري في كُتُبه ولم يذكر عنه تهمة الإرجاء.

وكذلك ابنه عمر بن ذرّ، لم نجد أحدًا ممن رماه بالإرجاء يذكر من كلامه كلمة واحدة دالّة على هذا الاعتقاد، مع كثرة ما روي عنه من كلامه البليغ. بل وجدنا مَن يصرّح بأنّ إرجاءه ليّن([65])، أي: هيّن، فليس هو من الغلاة، ولا هو من مبتدعة أهل الكلام، وإنما هو قول أخطأ فيه([66]) إنْ صحّ عنه.

وأنا لا أضرب بكلام مَن رماهما بالإرجاء عرض الحائط، ففيهم أناس رأوهما وعرفوهما، فتكلّموا بما علِمُوه عنهما، لكن لم ينقلوا لنا نصَّ كلامهما لنحكم بأنفسنا. بخلاف الإمام حماد بن أبي سليمان والإمام أبي حنيفة وبعض أتباعه، ممّن نُقِلَ إلينا بعضُ قولهم في ذلك، ومِنهم الإمام الطحاوي (ت 321هـ) صاحب “العقيدة الطحاوية” المشهورة، وفيها يقول -رحمه الله-: «وَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ. وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ. وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالِفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازِمَةِ الْأَوْلَى». فإذا كان هذا هو الإرجاء الذي قصَدَه مَن رماهم به؛ فما هو بالشيء العظيم، ولا يترتّب عليه فساد اعتقادٍ، بل غاية ما هنالك اختلافٌ لفظيّ، ربّما تسلّل إلى لسان السلف من بعض عبارات أهل الكلام، كما تسرّب مثله إلى أصحاب الإمام أحمد بن حنبل وغيرهم من أهل الحديث، في مسائل تتعلّق بصفات الله تعالى([67])، وكذلك الإمام ابن تيمية الذي استعمل بعض مصطلحات الفلاسفة والمتكلّمين التي يلزم منها الفساد. وها نحن في هذا العصر كم تسلّلَت إلى قاموسنا الديني من عبارات الفلسفة الماديّة وفلسفات الحداثة وما بعدها؛ أفنحن من أهل هذه الفلسفات ومن أصحاب هذه الاعتقادات؟!

وبهذا البيان ينكشف زيف ما بَنى عليه صاحبُ المقال من مفارقة بين التكفير والإرجاء، الذي رمى بهِ عُمَرَ بن ذرّ وأباه.

بقي أن نفحص عين صاحب المقال، خشية أن تكون أصيبَت بالعوَر، لأنّه لم يرَ إلّا عيبَ ذرّ وابنه، بينما انهال على الطرَف الآخر (الحَجّاج) بصفات الثناء، ولم يرَ ما عندَه مِن تكفيرٍ لمُخالِفِيه، وهو أمر ثابت عليه، لا كحال ذرّ بن عبد الله الذي كشفنا عن عدم ثبوت ما روي عنه في ذلك؛ «بل أقوال الحجاج هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجّاج كان عثمانيًّا أمويًّا، يميل إليهم ميلًا عظيمًا، ويرَى خِلافَهُم كفرًا، ويَستحلّ بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم»([68])!

وتغافَل صاحبُ المَقال عن تعظيم الحَجّاجِ دولةَ بَني مروان، لا سيّما الطاغية عبد الملك. وهذا التعظيم شرٌّ من الإرجاء الذي عابه على ذَرٍّ وابنه عُمَر، فكان الحجّاج يقول في بعض خُطَبه: «إذا قلت لكم: اسمعوا اللهَ وأطيعوا، ففيها مَثْنَوِيَّة، وإذا قلت لكم: اسمعوا وأطيعوا لعبد الملك بن مروان، فليس فيها مَثْنَوِيَّة، واللهِ لو قلتُ لكم أنْ تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من غيره كفَرتُم»([69])! فهذا ليس إرجاءً مع الخليفة فحسب، بل هو تأليهٌ! مع غلوٍّ في التكفير! وهذا غير مقتصِر على الحَجّاج، بل هو مرويٌّ أيضًا عن الخليفة في ذلك الحين عبد الملك بن مروان، قال ابن خيّاط: «حَدثني عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عبيد اللَّه، عَن عُمَر البكراويّ، قَالَ: كتبَ عَبْدُ الْملك إِلَى الْحجَّاج أَن ادْعُ النَّاسَ إِلَى الْبَيعَة، فَمَن أقرّ بالْكُفْر فَخَلِّ سَبيلَه، إِلَّا رجلًا نصَبَ رايةً أَو شتَم أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ. فَدَعَا النَّاس إِلَى الْبيعَةِ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَت بَنو ضَبيعةَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِم الْكتابَ، فَنَهَضَ عمرَان بْن عِصَام، فَدَعَا بِهِ الْحجَّاج فَقَالَ: أَتَشهدُ عَلَى نَفسكَ بالْكُفْر؟ قَالَ: مَا كفرتُ بِاللَّهِ مُنْذُ آمَنتُ بِهِ. فَقتَلَهُ»([70]).

وما ذلك بغريب على بني مروان إلا مَن رحم الله منهم، فقد نشأ فيهم عدد من البدع، بدعة النصب، وبدعة التكفير، وبدعة الإرجاء وعلم الكلام. أما بدعة النصب فتُقابلها بدعة الرفض، وأما بدعة التكفير ففي غلاة خصومهم مثلها، وأما بدعة الإرجاء فرأس القائلين بها وبغيرها من البدع الكلاميّة الجعدُ بن درهم (ت 124هـ) أحد مُؤدِّبي بني مروان([71]). وعنه أخذَ الجهمُ بن صفوان([72]).

بعدَ هذا البيان نتساءل: هل كان صاحبُ المَقال منصفًا نزيهًا في نقل التاريخ كي يَسوغ له قراءته ويصحّ الاعتماد عليه في تلك القراءة؟ الجواب متروك للقارئ اللبيب.

سادسًا: تفكيك المُغالطة الفكرية بين “المَدامع” و”المَدافع”

بنَى صاحبُ المقال كلامَه على ثنائية حَدِّيَّة باطِلة ومَغلوطة: إمّا أنْ تملك المَدافع والوعي السياسي والعسكري، وإمّا أن تكون صاحب “مَدامع” للمُتاجرة بالوعظ والروحانيات! وهذا الطرح يُغفِل حقيقةَ أنّ الأمة في تاريخها الطويل لم تنتصر بالقوّة الماديّة الصمّاء وحدَها، كما لم تنتصر بالخِطاب الروحي المجرَّد عن الأسباب؛ فإن خِطاب الوعظ والتذكير بالله وتليين القلوب بالدموع ليس عجزًا ولا بضاعة للضعفاء، بل هو المَورد الروحي الذي يَصنع الإرادة، ويبني الأخلاق، ويغرسُ الثبات والصبر في اللحظات الحرجة.

لهذا فإنّ الأمة بحاجة إلى المَدافع لحماية ثغورها ووجودها المادي، لكنها أحوج ما تكون إلى المَدامع والخُشوع لحِفظ رُوحها وقِيَمها وإيمانِها، وإنّ هذا لهو منهج التكامل الذي انتهجه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أمّا التزهيد في أحدهما لصالح الآخر، أو رمي أرباب الخشوع والوعظ بالغفلة والقصور، فهو اختلال في الفكر، وعاهة منهجية في فهم طبائع النفوس والمجتمعات البشرية.

إنّ صاحب المَقال وهو يدعو إلى فكرة المَدافع، لم يعجبه أن يرى ابنَ بلده الشاعر الدكتور عبد الغني التميمي وهو ينادي بهذا النداء نفسه، لأنّ نداء التميمي من وجهة نظر يوسف سمرين هو نداءٌ خاوٍ لا يحمل سوى صنعة الكلام والتهييج والتحميس (كخِطاب ذرّ بن عبد الله -حسب رأيه!-)، فلا يرى فيه القيام بحقيقة الوعي العسكري والسياسي التي كانت عند الحجّاج الذي ما فتئ يثني عليه!

وهذا إسقاط متعمَّد، وبه ندرك سبب السرد التاريخي أعلاه، الذي يريد من خلاله نقد المقاومة الفلسطينية التي يراها أشبه ما تكون بثورة ابن الأشعث التي صوَّرها بصورة (الثورة العاطفية القائمة على التهوّر والحماسة الخاوية من الإعداد والوعي)! إنّه يسخر من تجارب المقاومة الإسلامية في فلسطين ويقول نصًّا: ((لم تكن بحاجة إلى شرب ماء البحر جميعًا حتى تعرف أنه مالح)). هكذا يصوّر مَشهَد الصراع مع العدو المحتلّ! بل إنّه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يأتينا بكلام “فلاديمير لينين” صاحب الثورة البلشفية، مستشهدًا به ضدّ المقاومة الإسلامية في فلسطين، فينقل لنا جُملًا من أقواله، من مثل قوله: “ليس من العقلاني على الدوام القيام بانتفاضة، فالانتفاضة بدون مقدّمات جماهيرية معينة إنما هي مغامرة، وأحيانًا كثيرة جدًا شجبنا أشكال المقاومة الفردية باعتبارها ضارة، وغير عقلانية، من وجهة نظر الثورة”. هكذا يدعو إلى عقلانية الانتفاضة والمقاومة، وهكذا ينظر إلى حركة المقاومة الإسلامية في بلده أنها مغامرة وضارة وغير عقلانية!!!

إنّه يكرر فعله حين قام بتسطيح ثورة ابن الأشعث وما فعله العلماءُ والجماهير في تأييدها، وفي المقابل يثني على صنيع الحَجّاج في القضاء عليها، دون أن يعطينا الصورة الكاملة للطرفين، فربّما رمى الطرف الأول بتهمة يكون الطرف الثاني أحق بها. وها هو الآن يضرب لنا المثل الأعلى لما يجب أن تكون عليه الثورة من كلام منظّر الشيوعية “لينين”، الذي كان من الذين شاركوا في ثورة مسلّحة ضد النظام القيصري في روسيا، ولكن النظام استطاع قمعها في مدّة قصيرة في العام نفسه (1905م)، ثم نرى “لينين” وحزبه في عام (1917م) لم يقوموا بالثورة لإسقاط القيصرية إنما قام بها الشعب والجنود عامّةً، وما كان لأي ثورة أن تنجح لولا هذين الركنين، لكن ما الذي فعله “لينين” ورفاقه؟ استغلّوا الثورة وركبوها، فلم يفلحوا في الاستيلاء على السلطة بادئ الأمر، فما كان منهم إلا أن ينقلبوا على الحكومة الانتقالية آنذاك، فأطاحوا بها مستغلين ضعفها، فتَسنَّم “لينين” رئاسة روسيا، ولكنه فتحَ الباب على مصراعيه لنشوء حرب أهلية دامت ثلاث سنوات! ثم نُحّي عن السُّلطة بعد فقدانه النطق، ثم ما لبث أن توفي سنة (1924م)([73]). هذه هي تجربة المثال الأعلى للثورة، التي لا يمكن أن يذكرها صاحبُ المقال بهذه الطريقة العادية، لأنها تؤثّر على سرديّته المثالية.

ولستُ هنا بصدد الدفاع عن المقاومة الإسلامية الفلسطينية ضد مناوئيها، لأنّني أفردتُ ذلك في كتابٍ صدرَ بعنوان “ثوابت الدين بين الدعاوى والبراهين”، ولكنّي أردت لفت نظر القارئ إلى مغالطات مزيدة من مغالطات صاحب المقال، مع أنّ هذه المغالطات ليست بسبب خلل في قراءة التاريخ هذه المرّة، وإنما بسبب اختلال النظر إلى الواقع الحاضر مِن حَوله!

فالدكتور عبد الغني التميمي (1947 – 2022م) رحمه الله، ليس شاعرًا وحَنجرةً صوتية فحسب، بل هو عالِمٌ محدّثٌ فقيه، درس بكالوريوس الشريعة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ثم الماجستير والدكتوراه في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وعمل في الجامعة نفسها أوائل الثمانينات، مدة سنة، ثم انتقل للعمل في جامعة القدس بمدينة القدس مدة سنتين، ثم رفض اليهود أن يجدّدوا له تصريح العمل والإقامة فخرج من فلسطين، واستقر في مدينة الرياض أستاذًا أكاديميًا في كلية التربية للبنات، مدة خمسة عشر عامًا، حتى استقال سنة 2002م. أسّس جمعية الحديث الشريف مع نفر من زملائه في الأردن، وكان أوّل رئيس منتخَب لهيئة علماء فلسطين بالخارج([74]).

فمَن كانت هذه سيرته وهذا وصفه، لا يمكن أن يقدِّم في سبيل قضيّته وأمّته سوى عِلمه وشِعره، وهذا خير ما يقدّمه العلماء والشعراء في كل عصر ومصر. لكن أن نجعله نموذجًا لحال المقاومة الفلسطينية، فهذا هو التدليس بعينه، لأنّ المقاومة الفلسطينية قائمة على عقول متنوّعة، وتخصّصات متعدّدة، ولكل واحد من أفرادها مهمّته ووظيفته، وكلٌ يؤدّي دوره من موقعه.

يجب أن ندرك الفارق بين النصيحة والتسقيط، أو بعبارة أخرى: بين النقد البنّاء الذي يُعنى ببيان المزالق والأخطاء، لتقويمها واجتناب وقوع المقاومة فيها مستقبَلًا، وبين ما يفعله صاحبُ المقال مِن نقدٍ تسقيطي لهذه المقاومة، وتشويه صورتها، وتخوينه بعض قادتها، في عدد من منشوراته وتصريحاته في الثلاثة أعوام الأخيرة! ذلك النقد الذي ينصر فيه روايات العدو المحتلّ التي يبثها في إعلامه الرسمي وإعلامه بالوكالة!

لم يكن ذنب عبد الغني التميمي في إقحام اسمه في هذا المقال، سوى أنّ صاحب المقال كان قد سمِعَ قصيدةَ التميمي الشهيرة التي يقول في مَطلعِها:

أعيرونا مدافعَكُمْ ليومٍ.. لا مدامعَكُمْ
أعيرونا وظلُّوا في مواقعِكُمْ
بني الإسلام! ما زالت مواجعَنا مواجعُكُمْ
مصارعَنا مصارعُكُمْ
إذا ما أغرق الطوفانُ شارعَنا
سيَغرقُ منه شارعُكُمْ
يشقُّ صُراخُنا الآفاقَ من وجَعٍ
فأين تُرى مسامعُكُمْ؟!

فلعّل صاحب المَقال لمَّا شرعَ في قراءة تاريخ علم الكلام، مرّت به مقولة (أعيروني دموعكم) لِعُمَر بن ذرّ -رحمه الله- الذي قيل إنه رأس الإرجاء([75])، فتذكّرَ قصيدةَ التميمي، ونسَجَ من أجل نقدِ صاحبِها هذا المقال بكلّ علّاته التي بيّنتُها في هذه العُجالة.

ختامًا:

لا يسعني بعد هذا الردّ إلّا أن أقول: إنّ التاريخ الإسلامي ليس ساحة مجردة للصراعات السياسية لتقاس بموازين القوة والهزيمة العسكرية، كما أن مناهج الرواية والنقد عند أئمة الحديث أرفع وأجلّ من أن تُختزل في قراءات معاصرة تعوزها الدقة التخصصية والإنصاف المنهجي، وأنّ النقد التاريخي إن لم يقم على الاستقراء المُوعِب والآلات التامّة، مع النزاهة وحُسن القصد، فلن يقدّم لنا إلا صورًا مشوّهة، وتحليلات مسطّحة، وأفكارًا هدّامة.

رحم الله ذر بن عبد الله الهمداني وابنه عمر، وجزى الله الإمام البخاري عن أمة الإسلام خير الجزاء، وغفر الله للشاعر الدكتور عبد الغني التميمي وتقبّل منه، ونصرَ الله المقاومة الفلسطينية الباسلة؛ فلا يَضِيرُ كلَّ هؤلاءِ أنْ تجيءَ الأقلامُ المتأخّرة لتُحاكم إيمانَهم ووعظَهم وجهودَهم ومناهجَهم ومؤهِّلاتِهم بمقاييسَ تَبعُد كلَّ البُعد عن حقيقةِ العِلم والتاريخ والواقع.

 

 

====== الحواشي والتوثيقات ======

([1]) يُنظَر في نقدهم: الاستشراق، لإدوارد سعيد، ترجمة كمال أبو ديب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1978. والمستشرقون الناطقون بالإنجليزية: دراسة نقدية، لعبد اللطيف الطيباوي، ترجمة وتقديم قاسم السامرائي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط1، 1991. ورسالة في الطريق إلى ثقافتنا، لمحمود محمد شاكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1997.

([2]) تناقَضَ صاحبُ المقال في إثبات تاريخ وفاته، فمرّة يذكر أنّها سنة (110هـ)، ومرة يذكر أنّها سنة (100هـ)، وكلامهما غلط.

([3]) يُنظر: دفاعٌ عن السُنَّة ورد شُبَه المُسْتَشْرِقِين، لمحمّد أبو شُهبة، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، ط2، 1985 (1/234).

([4]) يُنظَر مثلًا: خلق أفعال العباد، للبخاري، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار المعارف، الرياض (ص33).

([5]) يُنظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد القاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 2004 (7/٣٩٤).

([6]) تاريخ دمشق، لابن عساكر، تحقيق: عمر العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995 (12/141).

([7]) يُنظر: المحلى، لابن حزم، تحقيق عبد الغفار البنداري، دار الفكر، بيروت، 1984 (2/٣٩٢).

([8]) يُنظر: جمهرة النسب، لابن الكلبي، تحقيق علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 2010 (2/315). وجمهرة الأنساب، لابن حزم، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1962 (ص٣٩٦).

([9]) يُنظر: تهذيب الكمال، لأبي الحجّاج المزي، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1980 – 1992 (21/335).

([10]) يُنظر: الكمال في أسماء الرجال، لعبد الغني المقدسي، تحقيق شادي آل نعمان، الهيئة العامة للعناية بطباعة ونشر القرآن الكريم والسنة النبوية وعلومها، الكويت، ط1، 2016 (7/457).

([11]) وفي إسنادها مجهول، وقد اكتفى صاحب المقال بتخريجها من كتاب: الزهد، لأحمد بن حنبل (ص288)، وهذا يوهِم أنّها من روايته لا من رواية ابنه عبد الله!

([12]) تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري، دار القلم – دمشق، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط2، 1977 (ص280).

([13]) جُمل من أنساب الأشراف، للبَلَاذُري، تحقيق سهيل زكار ورياض زركلي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996 (7/314).

([14]) يُنظر: القُصّاص والمُذكِّرين، لابن الجوزي، تحقيق محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1988 (ص343).

([15]) يُنظر: حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، مطبعة السعادة، مصر، 1974 (5/108).

([16]) يُنظر: تاريخ خليفة بن خياط (ص286-٢٨٧). وجُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (7/392).

([17]) جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (7/339).

([18]) أصحاب الجماجم هُم مَن خرج مع ابن الأشعث وقاتلوا جيش الحجّاج في “دير الجماجم”. وأصحاب الحرّة هُم مِن أهل المدينة الذين خرجوا على يزيد بن معاوية وقاتلوا في “وقعة الحَرّة” المشهورة.

([19]) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله، تحقيق وصي الله عباس، دار الخاني، الرياض، 2001 (3/168).

([20]) يُنظر: الثقات، لابن حبان، مطبعة دائرة المعارف، حيدراباد الدكن، ط1، 1973 (4/40).

([21]) يُنظر: جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (7/312-313). وتاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1967 (6/٣٢٨-329).

([22]) يُنظر: جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (6/442).

([23]) مسند الحميدي، تحقيق حسن سليم أسد الداراني، دار السقا، دمشق، ط1، 1996 (1/325).

([24]) المجالسة وجواهر العلم، لأحمد بن مروان الدينوري، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، جمعية التربية الإسلامية، البحرين – دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1998 (5/25).

([25]) يُنظر: جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (7/313). وتاريخ الطبري (6/329).

([26]) قال الإمام ابن تيمية في “منهاج السنة” (4/527-٥٢٩): “وقلَّ مَن خرَج على إمامٍ ذي سُلطان إلّا كانَ ما تولَّد علَى فِعله مِن الشَّرِّ، أعظمَ ممَّا تولَّد مِن الخَير… وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِأَمْرٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَلَا صَلَاحُ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَيْسُوا أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحْمَدُوا مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْقِتَالِ، وَهُمْ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحْسَنُ نِيَّةً مِنْ غَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرَّةِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ خَلْقٌ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ كَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ كُلِّهِمْ… وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ… وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاتَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ”. فأين كلام هذا الإمام المنصِف من كلام صاحب المقال المتحيّز؟!

([27]) يُنظر: تاريخ واسط، لبحشل الواسطي، تحقيق كوركيس عوّاد، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1986، (ص38).

([28]) يُنظر: الضعفاء والمتروكون، للنسائي، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب، ط1، 1976 (ص48).

([29]) يُنظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 2002 (10/39).

([30]) يُنظر: جمهرة النسب، لابن الكلبي (2/٣٩٨).

([31]) يُنظر: طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر الزبيدي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف، مصر (ص226).

([32]) تاريخ واسط، لبحشل الواسطي (ص39).

([33]) آكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة في كل مكان، لإسحاق بن الحسين المنجّم، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1988 (ص41-42).

([34]) تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2014 (4/٣٦٣).

([35]) المعارف، لابن قتيبة الدينوري، تحقيق ثروت عكاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1992 م (1/601).

([36]) تاريخ دمشق، لابن عساكر (34/٤٨٧).

([37]) يُنظر: فتوح البلدان، للبَلاذُريّ، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1988 (ص284).

([38]) يُنظر: المصدر السابق.

([39]) يُنظر: المصدر السابق.

([40]) يُنظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط2، 1995 (5/349).

([41]) يُنظر: فتوح البلدان، للبَلاذُريّ (ص284).

([42]) يُنظر: تاريخ الطبري (6/383).

([43]) يُنظر: التنبيه والإشراف، للمسعودي، تحقيق عبد الله إسماعيل الصاوي، دار الصاوي، القاهرة (1/311).

([44]) يُنظر: البلدان، لابن الفقيه الهمداني، تحقيق يوسف الهادي، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1996 (ص260).

([45]) يُنظر: المستخرَج والمستطرَف، لابن منده، تحقيق عامر حسن صبري، وزارة العدل والشؤون الإسلامية، البحرين (3/109، 117).

([46]) يُنظر: الأنساب، لأبي سعد السمعاني، تحقيق محمد ألطاف حسين، دائرة المعارف، حيدراباد الدكن، 1982 (13/٢٥٨).

([47]) يُنظر: البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان، لعماد الدين الأصفهاني، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2002 (ص124).

([48]) يُنظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي (5/348-349).

([49]) يُنظر: الكامل في التاريخ، للعزّ ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1997 (3/٥١٤).

([50]) يُنظر: تهذيب الأسماء واللغات، لمحيي الدين النووي، شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، مصر (1/309).

([51]) يُنظر: آثار البلاد وأخبار العباد، لزكريا القزويني، دار صادر، بيروت، 1960 (ص478).

([52]) يُنظر: تاريخ مختصر الدول، غريغوريوس بن هارون بن توما الملطي المعروف بابن العبري، تحقيق أنطون صالحاني، دار الشرق، بيروت، ط3، 1992 (1/112).

([53]) يُنظر: المختصر في أخبار البشر، للملك المؤيد أبي الفداء، المطبعة الحسينية المصرية (1/198).

([54]) يُنظر: تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق عمر عبد السلام التدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1993 (6/18).

([55]) يُنظر: تاريخ ابن الوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1996 (1/170).

([56]) يُنظر: الوافي بالوفيات، للصفدي، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، 2000 (11/٢٤٠).

([57]) يُنظر: البداية والنهاية، لابن كثير، مطبعة السعادة، القاهرة (9/51).

([58]) يُنظر: تاريخ ابن خلدون، دار الفكر، بيروت، ط1، 1981 (3/68).

([59]) تاريخ الطبري (6/383).

([60]) يُنظر: جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (7/313). ومَقاتِل الطالبيّين، لأبي الفرج الأصفهاني، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعرفة، بيروت (ص141).

([61]) الطبقات الكبير، لمحمد بن سعد الزهري، تحقيق علي محمد عمير، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 2001، (8/410).

([62]) يُنظر: البداية والنهاية، لابن كثير (9/137).

([63]) المرجع السابق.

([64]) التاريخ الكبير، للبخاري، تحقيق الدباسي ومركز شذا، الناشر المتميز للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 2019 (4/135).

([65]) يُنظر: تاريخ الثقات، للعجلي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الباز، بيروت، ط1، 1984 (ص356).

([66]) يُنظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، مطبعة المعارف العثمانية، حيدراباد الدكن، ط1، 1952 (6/107).

([67]) بيّنتُ ذلك في تحقيقي كتاب: المنتخَب من أصول كتب ومصنّفات جعفر السرّاج، لأبي طاهر السِلَفي (ص146).

([68]) البداية والنهاية، لابن كثير (9/131).

([69]) رواه الخطّابي في: غريب الحديث، تحقيق عبد الكريم الغرباوي، دار الفكر، دمشق، 1982 (3/182).

([70]) تاريخ خليفة بن خياط (ص٢٨٢).

([71]) يُنظر: جُمل من أنساب الأشراف، للبلاذري (4/135، 210).

([72]) يُنظر: خلق أفعال العباد، للبخاري، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار المعارف، الرياض (ص29).

([73]) يُنظر: لينين في سطور، لـ”جورج إسبر”، صحيفة الشرق الأسترالية (23/6/1999).

([74]) في حضرة الراحل الشاعر المحدّث عبد الغني التميمي، لأسامة الأشقر، موقع المركز الفلسطيني للإعلام (15/4/2022).

([75]) ميزان الاعتدال، للذهبي، تحقيق علي البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1963 (3/193).

عمر السنوي

عُمَر ماجِد السِنَويّ (مواليد بغداد، 1987م)، أكاديميّ وناقد ومحقِّق، معني بقضايا الفكر الإنساني، والتأصيل المنهجي. نالَ درجة الماجستير في العربية وآدابها من جامعة فيلادلفيا، بتقدير امتياز، عن رسالته: «أفانين البلاغة للراغب الأصفهاني: دراسة وتحقيق». ويعمَل في بلده العراق مدرسًا في وزارة التربية، وباحثًا في وزارة التعليم العالي. وقد تنقَّل في عدد من الميادين العلمية والثقافية، فاشتغل في التدقيق والتحرير والإعلام والتدريب، في مؤسسات حكومية وأهلية؛ منها: دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة العراقية، محرّرًا في مجلة المورد التراثية المحكَّمة. ودار الآن ناشرون وموزّعون الأردنية مدقّقًا لغويًا. وشركة البوابة الإعلامية الأردنية محرّرًا للقسم الثقافي. ومؤسسة المبدعون التربوية مدرّبًا في ورشات ودورات للغة العربية والذكاء اللفظي. كما أسَّس مجلّة (روى) الإلكترونية، المعنيّة بالعلوم الإنسانية والنصوص الأدبية. ونُشِرَتْ لهُ عدّة أبحاث محكَّمة داخل العراق وخارجه، إلى جانب عشرات المقالات التي يكتبها في الصحف والمجلات، الفكرية والثقافية والأدبية. وقد أنجزَ عددًا من الكتُب تحقيقًا وتأليفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى