مصطفى علي شارح ديوان الرصافي

مصطفى علي
شارح ديوان الرصافي
د. سعيد عدنان
كاتب وناقد وأكاديمي عراقي
لعلّ مصطفى علي آخرُ من زاول شرحَ الشعر؛ فقد انقرض، أو كاد ينقرض هذا الضربُ من المعرفة، بعد أن كانت له المكانةُ المرموقة في الأدب العربيّ القديم؛ فقد نهض خيرةُ أهلِ العلم والأدب يشرحون الشعر الجاهليّ، والإسلاميّ، والعبّاسيّ، ويُزيلون ما يكتنفه من غرابة؛ يفسّرون اللغة، ويبيّنون دواعي قول القصيدة، ويلمّون بحوادثِ التاريخ المتّصلة بها. ولولا شرحهم لاستغلق كثيرٌ من الشعر القديم، ولذهبت فائدته، واختفت متعته.
وإنّ مِن شرّاح الشعر مَن بلغ منزلة رفيعة في الفهم والإفهام، وحسن البيان؛ كمثل المرزوقيّ في شرح الحماسة، والواحديّ في شرح ديوان المتنبّي. ولا يستغني شعرٌ عن شرح؛ قديمًا كان أو غير قديم. غير أنّ أمر الشرح يقتضي عُدّة وافية، بعضها جبلّي وبعضها مكتسب، حتّى يستقيم؛ يقتضي علماً مكيناً باللغة؛ نحوها وصرفها وطرائقِ بيانها، ومعرفةً بالتاريخ ووقائعه، ويقتضي ذوقاً صافياً، وبياناً مُبيناً، ويقتضي من قبل ذلك أناة لا تداخلها عجلة، ولا تعيى بالوقوف عند الألفاظ لفظاً لفظاً؛ وقليلٌ من يقدِر أن يستوفي هذه الأركان؛ فلا غرو أن تضاءلت العنايةُ بشرح الشعر منذ مطالع العصر الحديث، وتجافاه أهلُ الأدب، حتّى زعم زاعم؛ أنّ شرح الشعر شيء ذهب مع الأدب القديم، وأنّ الشعر الحديث ليست به حاجة إلى أن يُشرح! ولا أدري كيف يستقيم هذا الشعر الحديث لقرّائه من بعد قرن أو قرنين، إذا طوى الزمن الحوادثَ والأشخاص، وطرأ على الألفاظ ما يطرأ عليها باختلاف الزمان وتبدّل المكان، وبقيت النصوص وحدها، لا تجد من يحسن أن يصل بين اللفظ ودلالته يوم قال الشاعر قصيدته؛ عندئذٍ سيقول القائل: لِمَ لم يشرحوا شعرهم ؟! إنّ شرح الشعر شيء لا يصحّ أن تستغني عنه ثقافةٌ تريد أن تكون سليمة متماسكة!
أقول: إنّ مصطفى علي كان آخر من زاول شرحَ الشعر قادراً عليه مغتبطاً به، يرى فيه خير ما يختم به حياته المجيدة. لم يكن مصطفى علي مقصورَ النشاط على الأدب وما يتّصل به؛ بل إنّه عمل أوّل ما عمل على نشر الفكر الجديد، والاستنارة، وكان في أوّل حلقة نشأت في العراق، في أوائل العشرينيّات، تقوم على الفكر الاشتراكي؛ أنشأها حسين الرحال بعد عودته من ألمانيا. ولمّا أصدرت الحلقةُ جريدتها ( الصحيفة ) كان مصطفى علي من ألمع الأقلام التي كتبت فيها؛ يناصر الفكر الحديث، ويدعو إلى الاستزادة منه.
ولد مصطفى علي في مطلع القرن العشرين، في السنة التي مضى فيها قرنٌ وأقبل عندها قرنٌ آخر جديد؛ ولد في سنة 1900 وعاش ثمانين سنة بتمامها. وإذا كان قد بدأ تعلّمه بالدراسة القديمة؛ فقد انتقل منها بعدما أتقنها إلى الدراسة الحديثة. كان النمط القديم قد يسّر له أمرَ العربيّة وما يتّصل بها، وهيّأ له معرفةً صالحة بعلوم الدين، ثمّ سلك يدرس القانون حتّى نال شهادة فيه. وعمل في وظائف الدولة، وتولّى بعد قيام الجمهوريّة وزارة العدل، وبقي فيها مدّة، ثمّ ضجر من عملها، ورأى أن يستقيل فاستقال؛ واتّسع وقته ليزيد من القراءة والتأليف.
كان في صدر حياته قد اتّصلت أسبابُه بالشاعر معروف عبد الغني الرُّصافيّ ( 1875 – 1945 )، وصحِبَه، وأخذ يقرأ شعره عليه، ويرويه عنه، وبقي وثيقَ الصلة به حتّى وفاته، ثمّ شرع يؤلّف عنه، ويكتب عن حياته، وعن ديوانه. ثمّ رأى أن يُتمّ حقَّ الصُحبة؛ فجعل يشرح ديوانه شرحاً مفصّلاً، مستعيداً في ذلك سنّة أدبيّة قديمة. وليس كمثل من صحب الشاعر مقدرة على شرح شعره، والوقوف على جوانبه؛ فقد سمعه وهو ينشد، وعرف الأحوال التي قال فيها قصائده، وشهِد أثرها في الناس؛ وكلُّ ذلك شيء نفيس؛ إذا لم يدوّن ذهب هدراً، وإذا لم ينتفع به من يريد الفهم والدراسة فقد أغفل عنصراً من أجلّ عناصر الفهم والدرس. وإذا كان الشارح ضليعاً من اللغة، حريصاً على أصولها، يديمُ النظر في المعجمات؛ فقد تمّت له أسبابُ النُجح، وبلغ الأملَ المرجو، وصار صنيعه ممّا يُزهى به، ويُفتخر.
كان منهج مصطفى علي في شرحه؛ أن يُبيّن معاني الكلمات، ويضبِطها، ولا سيّما الأفعال إذ كثيراً ما يهِم الناس في ” عين ” الفعل؛ فلا يجرون نطقها على الصواب، ولا يحفلون بتوخّي الصحيح الفصيح. وإذا كانت شروح الشعر القديمة قلّما تُعنى بهذا الضرب من الضبط؛ فذلك لأنّ من يُخطئ فيه كانوا قلّة؛ أمّا في هذا العصر فإنّ القلّة القليلة هي من تُحسن ضبط ” عين ” الفعل؛ فكان حقّاً على الأديب الشارح أن يوليه عناية منه حتّى يقرأ القارئ وهو يعرف طريق الصواب في نطق الألفاظ. ولم يعوّل في ذلك على علمه وحفظه؛ فربّما زلّت الذاكرة؛ بل كانت المعجمات بين يديه يرجع إليها في بيان المعنى، وضبط اللفظ. ولم يمنعه وضوح شعر الرُّصافي أن يشرح القصيدة بيتاً بيتاً؛ من أجل ألّا يستغلق معنى على قارئ، وألّا يُعضل بشادٍ أمرٌ فيصدّه عن متابعة القراءة؛ فكأنّه كتب شرحه للشداة، ولذوي العلم يريدهما معاً. ولقد بناه على وجازة اللفظ، والابتعاد عن الاستطراد، وقصره على ما يتّضح به المعنى، واكتفى من سياق التاريخ بما يضع القصيدةَ في إطار عام. إنّه شرح من خيرة شروح الشعر، انطوى على علم رصين من ورائه خلق كريم!
لقد حرص مصطفى علي أن يستوفي عملُه شرائطَ الإحسان كلّها فأعطاه من وقته وجهده شيئاً كثيراً حتّى صدر جزؤه الأوّل، عن وزارة الإعلام، في سنة 1972، ثمّ تتابعت أجزاؤه الأخرى حتّى تمّت في خمسة أجزاء في سنة 1977؛ لكنّه اليوم نادر في سوق الكتب، لا يكاد يجده طالبه. بل إنّ كتب مصطفى علي كلّها ممّا يعزّ مطلبه؛ وهو رجل جدير أن تُحيى آثاره.




