مقالات

حين نطق التاريخ

حِينَ نَطقَ التَّارِيخُ

سلطان صلاح ماجد

 

في لحظة غريبة، بدل أن يغادرا قاعة المحاضرة، قررا أن يظلا جالسَين فيها، يلوذان بظلها. في لحظة عجيبة، أدرك أستاذا التاريخ أن ما درَساه في قاعات التاريخ عندما كانا طالبَين يجب أن ينتقل من قيد النظرية إلى التطبيق العملي، ومن الحبر المرقوم في الصفحة المطوية بين الكتب إلى نموذج حي يترجم عين المقال، ليتحوّل المقال إلى خير حال، وينتهي بحسن المآل، وهذا المقال هو: إن التاريخ درس وعبرة.

أمضيا السنين الطوال وهما يرتجلان في قاعة الدرس، يشرحان للطلاب قيام الدول وانقضائها، وحياة الملوك ونهايتها، وكيف يسقطون، لكن هل خُيّل لهما أو لطلابهما أنهما يومًا سيكونان الدرس بدل صاحب الدرس؟ إن طلبتهما سينطقون: «رحل أستاذنا وهو يفتح لنا مغاليق العلم!» هذه، بصراحة، محاضرة تتجاوز حدود العقل، ويصعب تصديقها، لكنها حصلت.

أولهما الأستاذ الدكتور محمود علي الداوود الموصلي، ويُعتبر من رواد الدراسات الخليجية في العراق. تولى مسؤوليات مهمة في الدولة، ولفت الأنظار إلى أهمية الخليج لبلدنا، وكان من أوائل الحاضرين في البعثات التعليمية التي أرسلتها وزارة التعليم، فأتم دراسته في عديد من الجامعات الكبرى في العالم: لندن وهارفارد وجون هوبكنز، ليعود إلى العراق مدرسًا في جامعاتها، ثم سفيرًا في البلاد التركية، وغيرها من المناصب الدبلوماسية. كان ختامها، قبل تقاعده، اضطلاعه بمهمة جليلة، وهي رئاسة مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية، ثم تقاعد ليرتقي، بعد هذه المسيرة الرئاسية المتميزة والعلمية الرفيعة، إلى بيت الحكمة، تلك المؤسسة العريقة التي تحمل مجد بني العباس، ويجلس على سدة قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية ورئاسة تحرير مجلتها. وكانت فترة ذهبية قضاها في تلك الأروقة.

ولكن، لأن الجمال راحل مهما طال المقام، ترجل الداود وهو ممسكًا بالمايكروفون، وهو يشارك بمداخلته في بيت الحكمة، بسكتة قلبية مباغتة. وهو يعلن فساد تنظيم الإدارة، لم يكن في الحسبان أن ينتقل لرحمة الرحمن، فكان في تقديرهم أن ينهي مقرر الجلسة محاضرته بشكره للدكتور وإفساح المجال للأسئلة، لكن رحل الدكتور ليشكره أهل الأرض والسماء، ذاكرين جهده وعلمه وعطاءه المعرفي.

لكن يبدو أن التاريخ لم يكتفِ بهذه المفارقة، فقد كان له موعد آخر مع مؤرخ عراقي آخر، اختار له قاعة درسٍ أخرى، وترك له السيناريو ذاته تقريبًا: أستاذٌ يقف أمام طلبته، يفتح لهم أبواب الماضي، ثم يغلق الزمن خلفه الباب.

الأستاذ الدكتور بهجت كامل عبد اللطيف التكريتي، المؤرخ الإسلامي المتميز والباحث الراسخ القدم في ميادينه، وأُسندت له مناصب عدة، كعميد كلية التربية، ومدير عام دائرة البعثات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس قسم التاريخ. وترك نتاجًا ثريًا، فمن آثاره وبحوثه المعروفة بحثه في المعتصم بالله الخليفة العباسي القائد المجاهد، وبحثه في الفضل بن دكين ورواياته للطبقة الأولى من الكوفيين في كتاب الطبقات الكبرى، فضلًا عن مشاركته في موسوعة مدينة تكريت وما اشتملت عليه من تراجم وأخبار تتصل بتاريخ المدينة وأعلامها.

ظلّ يحاضر في مختلف الجامعات العراقية حتى جاء ذاك اليوم، وهو يقف في قاعة جامعة بغداد، يُعدّ أساتذة الغد في الدراسات العليا، حتى خفت صوته شيئًا فشيئًا، ووهنت قوته، فاستند إلى المنضدة ليسقط قبل أن يتسنى له القول لطلابه: «وداعًا، نلقاكم في المحاضرة القادمة، وهذا البيبر المفروض عليكم!».

رحم الله الداوود والتكريتي، علّما طلابهما قيام الدول وأفول الرجال، ورحلا دون ترك فرصة للاعتراض على أي جزئية في المنهج.

سلطان صلاح

كاتب عراقي، وباحث في التاريخ العربي والإسلامي، مهتم بشؤون الكتب والمكتبات، وتحقيق التراث. مدير تحرير مجلة روى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى