سلوك الإنسان مرآة حقيقته

سلوك الإنسان.. مرآة حقيقته
م.م. نور فاضل الجبوري
إن الانتماء إلى خط أهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد انتساب شكلي أو ادعاء لفظي، بل هو التزام عملي ومنهج حياة تتجسد آثاره في سلوك الإنسان وأخلاقه وتعاملاته اليومية. فالموالي الحقيقي يُعرَف بأعماله قبل أقواله، وبأخلاقه قبل شعاراته، ولذلك ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً»، وهي دعوة صريحة إلى أن يكون أتباع أهل البيت (عليهم السلام) صورة مشرقة تعكس مبادئ هذا النهج وقيمه.
وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أهمية التمييز بين أصناف الناس بقوله: “الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق”. فالمؤمن الواعي لا يكون تابعاً للأهواء أو متأثراً بكل رأي، بل يستند إلى العلم والبصيرة في أقواله ومواقفه وسلوكه.
ومن خلال الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) يمكن الوقوف على جملة من الصفات التي تمثل معالم الشخصية المؤمنة، ومن أبرزها:
أولاً: التقوى والورع
التقوى هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الفضائل، وهي المعيار الحقيقي لصدق الانتماء لأهل البيت (عليهم السلام). فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر: “يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه….”.
عن علي بن أبي زيد، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه عيسى بن عبد الله القمي، فرحّب به وقرّب مجلسه ثم قال: “يا عيسى بن عبد الله (ليس منّا ولا كرامة) من كان في مصر فيه مائة أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه”.
وتوضح الرواية أن شيعة أهل البيت يُعرفون بالتواضع، والتخشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والمحافظة على الصلاة والصيام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الأذى عن الناس.
كما أكد الإمام (عليه السلام) أن ولاية أهل البيت لا تُنال بالأماني والشعارات، وإنما بالطاعة والعمل الصالح والورع عن المحارم.
ثانياً: صدق الحديث وأداء الأمانة
يُعد الصدق من أبرز صفات المؤمن، فهو عنوان الاستقامة وأساس الثقة بين أفراد المجتمع. وقد قرن أهل البيت (عليهم السلام) بين صدق الحديث وأداء الأمانة، لأنهما يكشفان حقيقة الإنسان ومقدار التزامه بمبادئه.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): “لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم، حتّى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة”.
فالمؤمن الصادق لا يكذب في قوله، ولا يخون في أمانته، ويكون موضع ثقة واحترام بين الناس، وبذلك يعكس الصورة الحقيقية لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ثالثاً: حسن الخلق وضبط النفس
من أهم مظاهر الإيمان حسن الخلق والقدرة على السيطرة على الانفعالات. فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):” شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا”.
فالمؤمن الحقيقي لا تدفعه مشاعر الغضب إلى الظلم والتعدي، كما لا يحمله الرضا والسرور على الإسراف أو تجاوز الحدود، بل يبقى ملتزماً بالاعتدال في جميع أحواله.
رابعاً: إظهار الجميل وستر القبيح
ومن الصفات التي أكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) الحرص على نشر الخير وإبراز مكارم الأخلاق، والابتعاد عن كل ما يسيء إلى الفرد أو المجتمع.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): ” شيعتنا من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة إلى رحمة الجليل”.
فالمؤمن يسعى إلى كل عمل حسن، ويتجنب كل ما يُعد قبيحاً أو مذموماً، ليكون عنصراً فاعلاً في نشر الفضيلة والإصلاح.
خامساً: كف اللسان عن الناس
اللسان من أخطر الجوارح وأشدها أثراً في حياة الإنسان، لذلك شددت الروايات على ضرورة حفظه من الغيبة والنميمة والإساءة إلى الآخرين.
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: “أَمْسِكْ لِسَانَكَ، فإنّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ. ثُمَ قال: وَلا يَعْرِفُ عَبْدٌ حَقِيْقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَخْزِنَ مِنْ لِسَانِهِ”.
فشيعة أهل البيت (عليهم السلام) لا يتحدثون إلا بخير، ولا يجعلون من ألسنتهم وسيلة للطعن في الناس أو الانتقاص منهم، بل يوظفونها في الذكر والنصيحة والكلمة الطيبة.
سادساً: أن يكون المؤمن داعيةً بسلوكه قبل كلامه
من أروع ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله لبعض شيعته: ” كونوا لنا دعاة صامتين”. ولما سُئل عن معنى ذلك قال:” تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله وتنتهون عما نهيناكم عنه، فإذا رأى الناس ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فسارعوا إليه”.
فالسلوك الحسن أبلغ أثراً من كثير من الخطب والكلمات، والقدوة الصالحة هي أقوى وسائل الدعوة إلى الحق، لأنها تترجم المبادئ إلى واقع يراه الناس ويلمسونه إن سلوك الإنسان هو المرآة التي تعكس حقيقة إيمانه وصدق انتمائه، ولذلك فإن الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) مسؤولية عظيمة قبل أن يكون شرفاً عظيماً. فكل مؤمن مطالب بأن يجسد في حياته معاني التقوى والصدق والأمانة وحسن الخلق وضبط النفس ليصبح داعيةً إلى خطهِ ومنهجهِ بأفعاله قبل أقواله، ويؤدي رسالته في إصلاح نفسه ومجتمعه خير أداء.




