الوطن بين الصمود والهجرة

الوطن بين الصمود والهجرة
رؤية قرآنيّة في سيَر المرسَلين عليهم السلام
فلسطين أنموذجًا
الدكتور حمزة عبد الله سعادة شواهنة
(باحث في الدراسات الإسلامية/ فلسطين)
نظرًا لتفاقم الأوضاع الاقتصادية الصعبة في قطاع غَزّة والضفّة الغربيّة، مِن بَطالة وفقر وتجويع وغيرها، باتت الهجرة إلى خارج الأرض المقدَّسة، هي الحلّ الأَمثل لدى قطاع عريض مِن الشباب الفلسطيني، وبحسب الإحصائيّات الحديثة فإنّ آلاف الفلسطينيّين تقدَّموا بطلبات لجوء سياسي أو هجرة إلى الخارج،([1]) وتعدّدت وجهات النظر ما بين مؤيّد ومعارِض لهذا المسلك، لذا جاء هذا المقال؛ لِيعالج هذه الظاهرة مِن منظور قرآنيّ، مستنيرًا بهدي الرسل عليهم السلام.
*معنى الهجرة
ويحسن بنا أوّلًا أن نقف على مفهوم الهجرة قبل الحديث عن حُكمها، فالهِجرة -بالكسر-: مفارقة بلد إلى غيره،([2]) فإنْ كانت قُربةً لله، فهي الهجرة الشرعيّة، وهي الانتقال مِن دار الكفر إلى دار الإسلام؛ خوف الفتنة، أو المحنة.([3])
*الهجرة دأب الأنبياء عليهم السلام
يغادر كثير مِن الناس بلادهـم التي نشـأوا فيـها إلى بلاد أخرى لأسـباب كثيـرة، وقد قصّ الله تعالى علينا في كتابه المبين قَصَص كثير مِن أنبيائه ورسُله عليهم السلام ممّن تعرَّضوا للتهديد بالنفي مِن الوطن مِن قبَل خصوم الدعوة، حتى اضطرّ كثيرٌ منهم؛ للهجرة مِن أوطانهم، ومِن الرسل الكرام عليهم السلام الذين تعرَّضوا لهذا الابتلاء، شعيب u، حيث أخبر القرآن الكريم عن تهديد قوم شعيب u لنبيّهم بأغلى ما يساوَم عليه المرء بعد معتقده، ألَا وهو النفي مِن الوطن، وتحدّث القرآن المبين عن كراهية سيّدنا شعيب u لِسماع هذا اللون مِن التهديد مِن قِبَل قومه، يقول الله تعالى عن ذلك: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}[الأعراف: 88 – 89].
ومِن الرسل الكرام عليهم السلام الذين تعرَّضوا لهذا النوع مِن الابتلاء يوسف u، حيث تَحدّث القرآن الكريم عن الحلّ الذي اقترَحه إخوة يوسف u؛ وذلك لِلتخلص مِن نبيّ الله يوسف عليه السلام، وتمثَّل هذا الحلّ بالنفي مِن الوطن، وذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا}[يوسف: 9]، والمعنى: اطْرَحُوهُ أرضًا يُبعَد فيها عن أبيه.([4])
وهذا نبيّ الله يونس عليه السلام، قد ذكَر الله تعالى عنه أنّه خرج مسرِعًا مِن وطنه، كما بيّن تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)}[الصافات: 139 – 142].
ويتغرّب سيّدنا إبراهيم ومعه ابن أخيه لوط عليهما السلام عن وطنه العراق، وتوجَّها تلقاء فلسطين، كما قصّ ذلك المولى تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)}[العنكبوت: 26 – 27].
كما هدّد قوم نبيّ الله لوط عليه السلام نبيّهم لوطًا بإخراجه وآلِه مِن وطنه، كما حكى الله تعالى : {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ}[الشعراء: 167].
وقد ابتُلي نبيُّ الله نوح عليه السلام وأتباعُه المؤمنون بالخروج مِن وطنهم بالفلك، يقول الحقّ تعالى : {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}[هود: 40].
وذكر الله تعالى خروج نبيّ الله موسى عليه السلام مِن وطنه مصر مرّتين، هما:
المرّة الأولى: عندما فرّ الكليم عليه السلام خائفًا مِن القتل؛ لأنّه وكز القبطي مِن آل فرعون فمات، ثُمّ عاد عليه السلام إلى وطنه، كما حكى الله تعالى : {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص: 20].
والمرّة الثانية: حين أمَر الله تعالى الكليمَ عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل ليلًا مِن مصر، ولمْ يعُد إليها، كما قال الله تعالى : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}[الشعراء: 52].
وكثُر حديث القرآن العظيم عن إخراج المناوئين للدعوة الإسلاميّة للنبيّ الخاتَم محمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابِه رضي الله عنهم مِن مكّة في كثير مِن المواطن، منها قوله تعالى : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[الأنفال: 30].
وبالجملة يبيّن الله تعالى أنّ تهجير المرسَلين عليهم السلام ديدن الأقوام الظالمة، كما في قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}[إبراهيم: 13].
وهذا غيض مِن فيض ممّا قصّه الله تعالى علينا في كتابه المجيد مِن قَصص الأنبياء والرسل عليهم السلام فضلًا عن الصالحين، وهم يغادرون أوطانهم مكرَهين.
ونخلص ممّا سبق عرضه، أنّ هجـرة الأنبياء والرسل عليهم السلام تعتبر مِن صُوَر الهجـرة القسـريـّة، وهي هجـرة قديمـة متجدِّدة، نتـجـت مِـن جرّاء تدافُـع الحـقّ والباطـل.
*السرّ في استخدام الظالمين سلاح التهجير
ويرجع السرّ في استخدام المشركين هذا السلاح الفتّاك في حرْبهم ضدّ أنبياء الله ورسُله عليهم السلام، أو تهديدهم باستخدامه؛ هو إدراﻛهم ﺻﻌﻮﺑﺔ مفارقة الوطن, ومشقّة الهجرة ﻋلى النفوس، ومعلوم أنّ الغربة عن الوطن فاقرةُ الظهر، كما يعلِّل الثعالبي ذلك بقوله: “لأنّ الإنسان يستوحش بفراق وطنه، كما يستوحش بفراق مسكنه”،([5]) ولذا دأبت الدول الاستعماريّة الحديثة عامّة، والكيان الصهيوني على وجه الخصوص على أسلوب التهجير وسياسة الإبعاد كواحد مِن أقسى وسائل العقاب لمن يقاومهم بالعمل المسلّح، حيث عمد الكيان الصهيوني إلى التهجير المباشر في عام 1948م، كما لجأ إلى التهجير غير المباشر في عام 1967م وما بعده؛ وذلك مِن أجل التضييق المعيشي على حياة السكّان([6]).
*الهجرة مِن فلسطين
لِننتقل بعد سرد هجرة أنبياء الله ورسُله عليهم السلام مِن أوطانهم عامّة، إلى مسألة الهجرة مِن فلسطين على الخصوص، ومعلوم أنّ فلسطين أرض مبارَكة لِلعالَمين، وأُولى قبلتَي المسلمين، ومسرى النبيّ محمّد r، وقضــى الله I أن تكون حاضنة للطائفة المنصورة التي لا يَضُرُّها مَنْ خالفها، ولا مَن خذلها إلى يوم الدِّين، كما قَدَّر I أن يُفْسِدَ فيها بنو إسرائيل مرّتين، وستظلّ قائمة على أمر الله I حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وأهلها طليعة الأمّة، وحصن دفاعها الأوّل.
ومن المقرَّر أنّ الصحابة قد اضطرّوا إلى الهجرة إلى الحبشة مرّتين؛ حيث كـــان فيــها مَلِكٌ لا يُظلَم عنده أحد، وهو النجاشي، ثُمّ كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة النبويّة تكليفًا ربّانيًّا على القادرين، وقد تكفَّل ربّنا I لمَن يهاجر في سبيله أن يجِد في الأرض مُراغَمًا كثيرًا وسَعة، وأرض الله واسعة.
والحقّ أنّ الهجرة مِن الأرض المقدَّسة -فلسطين- فيها تفصيل، أجمله في النقاط الآتية:([7])
أ-السفر مِن الأرض المقدّسة لغرض يُقضى ثُمّ يعود، أمر لا حرج فيه، كمن يسافر مِن أجل التعليم، أو التجارة، أو صلة رحم، أو حجّ وعمرة, أو تطبُّب, أو حتّى سياحة مباحة.
ب- السفر مِن الأرض المقدّسة بحثًا عن رزق أُغلقت أبوابه بالكلّيّة، أو سعيًا عن أمن افتقده هو وأسرته وأولاده، ومثل هذا السفر ينبغي أن يُعذر فيه المهاجر، فحسب آخِر إحصائيّة صدرت، فإنّ أكثر مِن 85% مِن سكّان قطاع غزة تحت خطّ الفقر,([8]) والحُكم بالجواز مقيَّد بأن ينوي المسافر هجرة مؤقّتة.
والناظر في الواقع الفلسطيني، يوقن أنه يحرم على المسلم أن يهاجر مِن أرض فلسطين المباركة، وأنه يجب عليه الصمود فيها، فلا يُفتن المسلم عندنا في دينه غالبًا، وقادرٌ على إظهار شعائر دينه، على الرغم مِن إجرام المحتلّين وغطرستهم, فضلًا عن كون بعض البلدان تضطهد الفلسطينيّ لمجرّد جنسيّته، حيث يتعرّض صاحب جواز السفر الفلسطيني في كثير مِن المطارات والمعابر إلى معاناة مضاعفة عن غيره, والجدير بالذكر أنّ حرب الإبادة والوحشيّة الصهيونيّة تدفع سكّان المناطق الملتهبة للنزوح مِن أماكنهم, كما حصل لإخواننا في غزّة هاشم, فلا ضير مِن النزوح في داخل القطر نفسه الذي يعيش فيه المبتلى-إن استطاع-؛ إذ يكون أقربَ إلى المكان الذي اضطرّ إلى الرحيل منه؛ لِيُسرعَ بالرجوع إليه بعد زوال السبب الذي هاجر مِن أجله.
أضف إلى ذلك، أنّ المصلحة مِن صمود الفلسطينيّين في أرضهم أعظم بكثير مِن مصلحة رحيلهم عنها -لا قدّر الله-؛ وذلك لأن هذا أبعد عن بسط اليهود سيطرتهم الكاملة على المسجد الأقصى والأرض بالكلّيّة، وما اندحار العدوّ الصهيوني مِن غزّة هاشم إلا نتيجة طبيعيّة لذلك الصمود الأسطوري، ولذا لا يملّ العدوّ الصهيوني وحلفاؤه مِن محاولات إغراء الشباب الفلسطينيّ بالهجرة خارج فلسطين؛ بحجّة إيجاد فُرَص عمل([9]).
والأصل أنّ الوطن الذي يتوق للتحرّر، لا يَسمح بهجرة الكفاءات المخلِصة مِن أبنائه، ولا يساهم في خسارة قامات مِن شأنها أن تسهم بإضافات نوعيّة للعمل الوطني التحررّي، فضلًا عن أن تكون السبب وراء هجرتها، ولقد خسر المشروع الوطني ثلّة مِن خيرة أبنائه مِن كوادر علميّة ونحوهم، حيث لمْ يضمن لهم مكانًا كريمًا بين أـحضانه.
وجملة القول: أنَّ الهجرة سنّة أنبياء الله ورسُله عليهم السلام، على الرغم مِن كراهيتهم الهجرة مِن أوطانهم، وأنه يحرم على المسلم أن يهاجر مِن الأرض المقدَّسة -فلسطين- إلى خارجها هجرة دائمة مِن غير مبرِّر شرعيّ، حيث أنّ الاستئصال لهم غير وارد في هذا العصر، بل إنّ بقاءهم فيها مع إقامة شعائر الدّين ممكن، والمصلحة مِن ثباتهم فيها أعظم بكثير مِن المصالح المتوهّمة مِن وراء هجرتهم.
نسأل الله I أن يكتب لنا أجر الرباط في فلسطين، وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.
—————الحواشي—————-
[1] مقال على شبكة الإنترنت، رابط: https://www.infomigrants.net
[2] انظر، ابن منظور: لسان العرب، (هجر)، (5/ 251).
[3] انظر، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (10/ 107).
[4] انظر، الواحدي: الوسيط في تفسير القرآن المجيد، (3/ 199).
[5] الثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، (3/ 155).
[6] انظر، جواد الحمد: الشعب الفلسطيني ضحية الإرهاب والمذابح الصهيونية, مركز دراسات الشرق الأوسط، عمّان، ط1، 1935م.
[7] نصّ جمع غفير على حرمة الهجرة مِن هذه الديار المباركة مِن غير مبرِّر شرعي، مِن أبرزهم الدكتور صلاح الخالدي، والشيخ حامد البيتاوي رحمهما الله, والمفتي عكرمة صبري، ومجلس الفتوى الأعلى بفلسطين، ورابطة علماء فلسطين.
[8] انظر، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ص 32، رابط:
http://www.pcbs.gov.ps/Portals/_PCBS/Downloads/book1633.pdf
[9] لمزيد بيان لمقتضيات الوطنيّة الصادقة. انظر, شواهنة، حمزة عبد الله سعادة: قيَم المواطنة والتعايش السلمي في منهج الدعوة عند الأنبياء عليهم السلام من خلال القرآن الكريم، رسالة دكتوراه، العلوم الاسلامية، وحدة التفسير والقرآن، المعهد العالي لأصول الدين، جامعة الزيتونة، تونس، 1444ه/2023م، (ص: 106 – 108).




