مقالات

الانفصال ثمرة سايكس بيكو لا خيانة وطن

الانفصال
ثمرة سايكس بيكو
لا خيانة للوطن

 

سجّاد الجُبوري

كاتب عراقي

 

منذ قيام مخطط دول سايكس بيكو في المشرق العربي، واستقلال دول المغرب العربي عن إمبراطوريات الاستعمار، كانت الغلبة والسلطة للعرب، لغلبتهم الوجودية والسكانية في بلدان الوطن العربي، لتتغير خارطة الأمة الواحدة إلى أمم، ويُبعد ما يجمعها ويوحّدها، ألا وهو دينها، ولتأتي مكانه أفكار مستوردة غريبة على بيئاتنا ومجتمعاتنا، قضى عليها إسلامُنا منذ أن وُجد، شبيهة بـ(الجاهلية) التي يوالي عليها العرب قديمًا.

لقد تفرّقت أمتنا، ونُزع منها دينها الجامع لها، واحتلّتنا (الوطنية)، وأضحت هي معيارُ الولاء والبراء، ولكل بقعة من أمتنا مقدسٌ مغاير، وهو الولاء لترابها ووحدة الحدود المصطنعة حديثًا، بعد أن كانت أمة واحدة لا مقدَّس فيها غير دينها وقيمها ودماء مسلميها. وهكذا تتبدّل القيم والمقاييس، وهكذا تتحقق إرادة المستعمر وغايته!

ومع ذلك، لم يكتفِ المستعمر بتمزيقنا إلى هذا الحد، فحرّك ورقته الداخلية: (الأقليات)، لتمزيق الممزق، وتقسيم المقسّم، وإضعاف الضعيف، قاصدين الاستقلال بدولة خاصة بهم، بدعوى اضطهادهم وأحقيتهم بتكوين دول كما كوّن العرب دولًا.

وترجع أسباب هذه المشاريع الانفصالية إلى أبعاد مختلفة، منها قومية، كالقضية الكردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران، ومنها قبلية وتهميشية، كالجنوب اليمني وأرض الصومال.

ويُنبَز هؤلاء بـ(الانفصاليين) في مجتمعنا العربي من قِبل الوطنيين، قاصدين التحذير منهم، ويُتَّهمون بالخيانة، لسعيهم إلى الانفصال عن (الوطن)، وحدثت حروب وسُفكت دماء بين الوطنيين والانفصاليين على مرّ العقود.

ولكن السؤال المهم: بأيّ حق نتّهم (الانفصالي) بالخيانة إذا كنّا راضين بالانفصال عن الأمة؟ وما الفرق بين الانفصال عن الوطن والانفصال عن الأمة؟ ومِن أين أتت القداسة لهذه الحدود التي لم تكن موجودة قبل مئة سنة؟! هل بمجرد رسم الغربيين لها؟!

إن النتيجة الطبيعية -بل الضرورية- للانفصال عن أمتنا، هي الانفصال عن المقسّم من هذه الأمة؛ فكما قُسّمت لاعتبارات قومية وقبلية وتهميشية، ستبقى الحاجة إلى التقسيم أكثر فأكثر، وللأسباب نفسها.

وإذا ناقشنا القضية الكردية -كمثال- سنجد الظلم العظيم الواقع عليها؛ فلماذا يُعطى العرب دولًا، والترك دولة، والفرس دولة، بينما لا يُعطى الأكراد دولة، مع وجودهم الكثيف في الدول الأربع (العراق، سوريا، إيران، تركيا)؟ وليس هناك إجابة مقنعة سوى تفسير الوضع بالقوة، واجتماع العرب والفرس والترك على إقصائهم، وهو ظلمٌ باعتبار الأسباب الداعية لانفصال الدول الحالية عن أمتنا.

وكما أن مشاريع الانفصال الحالية هي مشاريع غربية بحتة لتقسيم المقسّم، ولا مجال للشك في ذلك، فإننا لا ننسى أن دولنا أيضًا هي مشاريع غربية، وأن الأنظمة التي نُقاتِل الانفصاليين تحتَ لوائها هي أشدّ عمالةً للغرب من الانفصاليين أنفسهم في بعض الأحيان.

وهكذا سيبقى (الوطنيون) في حالة ارتباك وإشكال حتى يعودوا إلى الأصل؛ إذ كما دعمهم الغرب لإجهاض مشاريع الوحدة، فإنه يدعم اليوم الانفصاليين عن (الوطن). ولو وقف (الوطني) حينها ضد سايكس بيكو ومشاريع الانفصال قبل عقود، لما أشكل عليه الوضع اليوم، وهذه نتيجة حتمية للابتعاد عن الأمة الواحدة.

وعليه، فإن الحل المنهجي لعلاج مشكلة الانفصال هو الرجوع إلى الأمة الواحدة التي يجمعها الدين القيِّم، وهذه مِن سِمات ديننا الإسلامي؛ فإنه إذا افترقنا عنه تنازعنا وظَلَمَ بعضُنا بعضًا، وإذا رجعنا إليه توحدنا وكنا أمة واحدة ذات هيبة كما كانت. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].

أما واقعيًا، ولتدارك الوضع، فالحلّ المبدئي الأولي هو محاربة الانفصاليين عن الأوطان بِنِيّة إفشال مخطّطات الغرب، ولئلّا يَسوء وضعُنا أكثر، ومِن ثَمّ العودة إلى العمل على وحدة الأمّة -وإن طال وقت العمل-.

نسأل الله أن يحقق ذلك، ويكتب لأمّتنا الرشد والخير، ويدفع عنها الضرّ والشرّ.

editor

هيئة التحرير بمجلة روى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى