عالم الكتب

مع الطناحي في موجزه

مع الطناحي في موجزه

 

 

سلطان صلاح ماجد

مدير التحرير

منذ بداية الدراسات العليا في الجامعات، تباينت مسالك تعليم الطلبة وانقسم الأساتذة إلى صنفين، فتشعبت طرائقهم في تلقين المعارف لطلابهم: فصنف يرى إرشاد طلابه لأمهات الكتب الأساسية في تراثنا الإسلامي، وصنف يرى إعطاءهم موضوعات المادة مفردات مشتتة، على أمل أن يجمع الطالب شتاتها من مختلف المصادر والمراجع والدوريات والمخطوطات، فيعمل على ضم الأشباه لبعضها وتوحيد النظائر، عسى أن يرتبها بشكل متماثل وأنيق يحقق الصورة الجمالية المعرفية للباحث.

ومن الأساتذة الذين كانوا ضمن الصنف الأول، ربيب المدرسة الشاكرية العلامة المحقق أبو أروى محمود الطناحي – جزاه الله عن التعليم خير ما يُجزي معلمًا عن طلابه -، فعند تدريسه لطلبة الدراسات العليا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة عمل على إعداد كتاب نافع يكون دليلاً إرشادياً لمن رام الوصول إلى مفاتيح العلوم الإنسانية كما اصطلح أهل التخصص على وصفها. فيجد الطالب نفسه مرمياً في مزرعة كبيرة خضراء بين عِبر التاريخ التي صاغها كبار الرجال وزهور اللغة التي فاح شذاها برونقها وجمالها، وقد ظهر الكتاب نتيجة تساؤلات عدة ترددت عليه في مختلف الأزمان بين الحين والآخر.

أشار الطناحي في مطلع كتابه إلى دراسته الجامعية، وكيف هوت به الأفكار الفاسدة المنتشرة في ذلك العهد بين الأساتذة والشبيبة المتعلمة في مستنقع الدراسات الأعجمية حول تراثنا العربي الأصيل، فتنكروا لأصولهم وجعلوا الرمز كعبة الأدباء التي يطوفون حولها طواف المؤمنين، حتى يستنجدوا منه سبيل تفسير العربية، خير لغات العالمين. ويُظهر اختلاف التعامل مع أدب الأقوام الآخرين بين العرب وبينهم؛ فالعربي لا يأنف أن يبحث عن الجمال عند كافكا وقلقه وشكسبير وديستوفيسكي وغوره في النفس الإنسانية، وغيرهم من الأدباء والشعراء، على عكس القوم، فلا تجد اهتماماً كبيراً لهم في عصرنا بنصوص أدبائنا كالمنفلوطي وتوفيق الحكيم وطه حسين والرافعي، ويشير إلى أنه لم تُعطَ جائزة نوبل في عصره لعربي واحد!

وهذا الاهتمام العربي بمختلف تراث الأمم الإنسانية لهو مما يفتخر به وترفع به الرؤوس، وهو من وجوه الفضل والمناقب التي تقدم بها العرب على غيرهم منذ مئات السنين. فمنذ عصر بيت الحكمة كان موئلاً للمعرفة الصحيحة التي تناقض عقلاً.

يبتدئ الطناحي موجزه، الذي هو عصارة فكرية للمدرسة الشاكرية. ولعل القارئ هنا يُحدق بعين العجب لكلمتي “نعم”، فالطناحي، كما ذكرت أولاً، ربيب المدرسة الشاكرية والعارف بفضلها وأشياخها وتنوع معارفهم ونُبلهم. فلا تجده يذكر أستاذه محمود شاكر أو أخيه العلامة أحمد شاكر إلا موقراً لهم، عارفاً بجهدهم العالي في نشر التراث.

 مع الطناحي في موجزه

  1. ابتدأ بذكر المصادر حول السيرة الشريفة والمغازي البديعة، ثم الدلائل العتيدة والشمائل العفيفة، فالخصائص الحميدة، ولم يلتفت كثيراً للمنظومات التي كُتبت حول السيرة الشريفة، فلم يذكر ألفية العراقي أو الأرجوزة الميئية لابن أبي العز الحنفي، ومنظومة “ذات الشفا” في سيرة النبي والخلفاء لابن الجزري وغيرهم.
  2. وفي تراجم المفسرين، اقتصر على ذكر ما كُتب في تراجم الأقدمين، ولم يذكر المراجع المعاصرة مثل “التفسير والمفسرون” للدكتور محمد حسين الذهبي و”التفسير ورجاله” للشيخ محمد الفاضل بن عاشور.
  3. وفي تراجم المذاهب، اقتصر في تراجم أصحابنا الشافعية على السبكي والإسنوي، وفاته ذكر ابن شهبة وتأليفه حول رجال الشافعية، متقدماً عليهما. وفي تراجم الشيعة والمعتزلة، فاته ذكر كتاب “طبقات أعلام الشيعة” للشيخ آغا برزك الطهراني، وهو المفهرس الكبير وصاحب “الذريعة” المشتهرة.

 مفردات لم يذكرها

وقد كنت أحب لمثله، وهو من هو، عظمة منزلته ورفعة قدره، أن يذكر أبرز ما كُتب في التفسير وفقه المذاهب المختلفة والأديان، وشروح الصحاح والمعاجم اللغوية، ثم تراجم بقية الفرق كالإباضية، ومن خالفوا ملتنا كالمستشرقين.

لكن ليس كل ما يتمنى المرء يُدركه، وفي هذا حكمة ربانية خفية: أنه مهما بلغ جهد العالم العامل في تصنيفه وعانى في تبويبه، لا بد له من عدم الكمال، ليأتي من بعده ويُتمم السلسلة المعرفية أو يستدرك بنبل وينتقد بعلم وأدب.

إن مقام النقد العلمي من أجل المقامات وأشدها خطراً، إذ تتعلق به حركة العلوم وتطورها، مما يؤثر على البناء المعرفي للأمة. ومن أبجديات النقد أنه يقوم على أساسين مهمين هما: العلم والإنصاف، فإذا اختل أحدهما سقطت قيمة النقد وانتكست([1]).

 الطناحي والزركلي

 

لعله يصح قولنا: إن ذكر الأستاذ خير الدين الزركلي كان في مبتدأ الكتاب ووسطه ومختتمه، وليس فوق هذا، دلالة على حب الطناحي للزركلي وهيامه به وبكتابه. ولم يمنعه هذا من نقده بطريقة رفيعة تدل على خلق شاكري رفيع، فيرى الطناحي أن أعلام الزركلي خير ما ألف في هذا الباب من المعاصرين، وذكر مميزات تأليفه للكتاب من دقة الجمع وجمال التحرير.

وقد نص الزركلي على رأيه في تحقيق كتاب “خريدة القصر” و”جريدة العصر” لعماد الدين الأصفهاني، فقد عمل على تحقيق الكتاب كلٌّ وشعراء بلده، فحقق الجزء الأول حول شعراء مصر: أحمد أمين وشوقي ضيف وإحسان عباس، والجزء الثاني حول شعراء الشام حققه شكري الفيصل، والثالث محمد بهجة الأثري، والرابع حول شعراء المغرب والأندلس طُبع مرتين: الأولى بتحقيق المصريين علي عبد العظيم وعمر الدسوقي، ثم التونسيين محمد المرزوقي ومحمد العروسي المطوي، والجيلاني بن الحاج يحيى وآذرتاس آذرنوس.

وفي نظري، إن انتداب هذه الثلة المباركة من جهابذة التحقيق والتدقيق لخدمة هذا الكتاب لهو سنة حميدة، حق لنا تقبيل يدي من سنها، لأنها تؤسس طريقاً سليماً من شوائب النفس، والتعاون العلمي البلداني النافع، والعمل السريع الدؤوب لخدمة التراث. إلا أن الزركلي يرى أن هذه الطريقة التي سارت في طباعة الكتاب طريقة إقليمية خبيثة.

فنقف أنا والطناحي مشدوهين أمام هذه اللفظة الشديدة لهذا العمل، ولكن لعل للزركلي نظرة مختلفة لأمر عرفه وأخفاه، ومن هنا ندعو أن يعمل جموع المشغوفين بالمعرفة، ومحبي الكتب، وهواة الثقافة بهذه الطريقة الإقليمية لإخراج موسوعات كبيرة تليق بتراثنا العربي([2]).

 


 

([1]) سلطان صلاح: الاستئناس بسمات مراسلات العلامة أنستاس، مجلة أوراق مجمعية، العدد الرابع، السنة الثامنة، ص97.

([2]) قال العلامة عبد السلام هارون في كتابه: التراث العربي (ص8) : ((والتراث العربي يتناول كل ما كتب باللغة العربية وانتزع من روحها وتيارها قدرا بصرف النظر عن جنس كاتبه أو دينه، أو مذهبه، فإن الاسلام قد جَبَّ هذا التقسيم وقطعه في جميع الشعوب القديمة التي فتحها، وأشاع الاسلام لغة الدين فيها، وهي اللغة العربية التي لونت تلك الشعوب بلون فكري واحد متعدد الأطياف، هو الفكر الاسلامي، وهو الفكر العربي)).

سلطان صلاح

كاتب عراقي، وباحث في التاريخ العربي والإسلامي، مهتم بشؤون الكتب والمكتبات، وتحقيق التراث. مدير تحرير مجلة روى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى