عالم الكتب

مراجعة كتاب سلطة الثقافة الغالبة

مراجعة كتاب
“سلطة الثقافة الغالبة”

سجاد الجبوري

 

يُعدُّ كتاب “سلطة الثقافة الغالبة” للشيخ إبراهيم السكران – فك الله أسره – من الكتب الهامة التي بلورت منهجية الشيخ في مناقشة الفكر الليبرالي وثقافته، وسبل ترويجه في العالم الإسلامي، وطرقه المخادعة في تحريف حقائق الدين وثوابته.
يتكوّن الكتاب من نحو ٢٥٠ صفحة، ويجيء ضمن سلسلة كتب له ناقشت الليبرالية وواجهتها بتحريرات شرعية مستندة إلى الكتاب والسنة، وعمدت إلى تفكيك ادعاءات الليبرالية في وجود أساس شرعي لأصولهم.

اهتمَّ الشيخ في مقدمة الكتاب بتفسير مبررات جنوح المستسلمين للثقافة الغالبة الغربية، وتطويع الشريعة لمبادئ الفكر الليبرالي، مستهلًا بعرض أمثلة تاريخية سابقة على هذا التطويع، كاغترار المتكلمين بالفلسفة اليونانية وتورّطهم في تأويل النصوص لموافقة الذوق الفلسفي الغالب، واسْتِعمالهم الألفاظ اليونانية والفلسفية بدلًا من الألفاظ القرآنية.

وأشار إلى أن الهزيمة في العصر الحديث تتجدد بمسمى “الإصلاح”، وتصدرها جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، وفشل مشروع التطويع الذي تبنته حركات الإصلاح، وربطه الشيخ بـ”مركب النقص” الذي ذكره مالك بن نبي، واعتبره مرتعًا لا يُنبئ عن نهضة حقيقية.

وبيّن سبل السياسيين الكبار في نشر الثقافة عبر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والدراسات، لتدجين الخطابات الدينية وتطويعها، حفاظًا على مصالحهم ونفوذهم وهيمنتهم.

وأوضح معقولية “التفسير التآمري” بوصفه حقيقة قرآنية، مع تحذيره من التهور في المغالاة في هذا الأمر.
وأبدى تساؤلًا بريئًا عن عدم وجود مثقفين يطرحون إشكالية التعارض بين نصوص التراث والثقافة الأفريقية أو الشرق آسيوية أو التقاليد الهندية، مما يؤكد أن تركيز الليبراليين على مواجهة نصوص التراث بالذوق الغربي الغالب ليست ظاهرة عشوائية، بل سياق مُهندَس مسبقًا.

مداخل نظرية: التناظر بين الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي

يبدأ الشيخ في مسألة ذم الاستبداد في الرأي العام وبغضه، ثم يتساءل: ما هو الاستبداد؟ ويعتبر أن الاستبداد في حقيقته ليس لونًا واحدًا كما يتصور الكثيرون، بل هو على مستويات، من أهمها الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي، ولكل نوع من نوعي الاستبداد ضحاياه.
ودعا إلى التعامل برفق مع ضحايا الاستبداد السياسي والثقافي، مع توعيتهم بكيفية التحرر من الخضوع والبحث عن الاستقلال الحقيقي، ويشدد على أن كثيرًا من الناس لا يدركون أنهم خاضعون للاستبداد أصلًا.

ويرى أن العلاج الأساسي هو تعزيز قيم العزة والكرامة والإباء في نفس المسلم، حتى يرفض الخضوع لأي مستبد سياسي أو ثقافي، فلا يكون المسلم تابعًا لا لسلطة سياسية تقيّده، ولا لثقافة ليبرالية تُفرض عليه منظومتها وتُؤثر في فهمه للنصوص بما يُوافقها.

وينتقد مراوغة بعض الخاضعين للثقافة الغربية، إذ يزعمون أنهم يتبعون النصوص الشرعية فقط، وأن فتاواهم مبنية على البحث والاجتهاد، مع إنكار وجود تأثير خارجي عليهم، ويرى الشيخ أن كثرة حمل النصوص والمعاني الشرعية على موافقة الثقافة الغربية الغالبة تكشف عن أصل خفي في التفكير الفقهي يُسيّرهم، حتى لو لم يصرّحوا به.

وأشار إلى أن هذا يشبه من يتأثر بالحاكم المستبد في فتاواه، فتكثّر النتائج تُظهر اتجاهًا داخليًا مؤثرًا رغم الإنكار.

ثم يبيّن مسلكًا توارد عليه الليبراليون، كتحريف التأويل والمعاني لأجل الثقافة الغالبة، في مسائل مثل الحجاب، وحد الردة، والربا، والمقاصد، والحدود، ويشبّههم في ذلك بالفلاسفة الذين رضخوا للفلسفة اليونانية، وحوّلوا النصوص إلى أدوات خدمة لأذواقهم الفلسفية، لا إلى مصادر حكم واقعي وفعلي.

كان الكتاب مثقلا بنقد أساليب الليبراليين في تحريف الشريعة، كتشبثهم بقطعنة الشريعة، وتقييد النصوص، وتجزئة الوحي، وتوظيف مفهوم الوسطية، كان ذلك ضمن الفصل الأول بمسمى «استقبال النص»، ثم عرج الشيخ لطعوناتهم في العلوم المعيارية، وكشف بها جهلهم وقلة تحصيلهم، وخبث غاياتهم، كأصول الفقه، والسُنة النبوية ورواتها من الصحابة، وأشار لإشكالية افتقادهم “البديل” في معرض تحريفاتهم وتأويلاتهم، كان ذلك ضمن الفصل الثاني بمسمى «العلوم المعيارية».

ثم تلاه الفصل الثالث بمسمى «نظام العلاقات»، وفيه نقد رؤى النظرية الليبرالية في نظام العلاقات المجتمعي والسياسي والثقافي، التي تناقض معتقدات ضرورية تمزق الهوية الإسلامية للمسلم ليحتكم لنظام يساوي بينه وغيره ويسلبه مظاهر العزة التي منحها الإسلام، كدعوتهم للابتعاد عن نقد المخالف، وتوظيفهم مفهوم الطائفية لأغراض باطلة كمنع نقد ضلالات الطوائف، وتأويلهم لآيات الجهاد لكي تتوافق مع القيم الغربية، وعقيدة الولاء والبراء وصرفها إلى الولاء على قيم أخرى كالوطن.

الفصل الأول: استقبال النص

في الفصل الأول بمسمى «استقبال النص» ينتقد الشيخ مشكلة المتوالية الفكرية، وخلاصتها أن النص فكرة مجردة لا ترتبط بأي تجربة بشرية، وبدلًا من اتباع التجارب السابقة في فهم النص وتطبيقه، يُسَلَّخ من سياق السلف ويُقاس على ما يراه المتأثرون بالثقافة الغربية أكثر استساغة.
وأشار إلى أن هذا ينافي ثناء الله على الصحابة، ودعوته لاتباعهم واتباع سنة النبي، واعتبر أن اتباع الصحابة ضمانة دينية، في حين يهاجم الليبراليون السلف الصالح ويعتبرونهم مجرد صالحين.

ثم يتناول توظيف مفهوم الوسطية، فيوضح أن هناك وسطية منصوصة ومعقولة، ووسطية مرفوضة، كالوسطية بين الحق والباطل (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)، وأن من يدعو لوَسَطية بين فهم السلف والثقافة الغربية غالبًا ما يحركه المنفعة والمصلحة لا الحكم الشرعي.

وأبرز تقنية تجزئة الوحي (التبعيض): فالعلمانيون يختزلون الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، والليبراليون يختزلون الإسلام في الحريات العامة، والتنويريون في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، واليساريون في الاحتجاج السياسي، مع دعوة إلى أن يُستوعَب الوحي لا يُجزَّأ، وأن “إيمانهم مشروط” بقبولهم من الشريعة ما يناسب مشروعهم الثقافي، لا ما تدل عليه الأدلة.

وتعرض الشيخ لفكرة رائجة، فكرة “قطعنة الشريعة”، أي أن بعضهم يُنكر حقائق شرعية مثل حد الردة بدعوى عدم قطعيتها، وبناء ذلك على تصور خاص لمعنى القطعي، مع اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة فقط، وتوسيع جعل غالب الشريعة ظنيًّا بلا ضوابط نصية.

وتحدث عن “تتبع الرخص”، فبين أن من يتتبع رخص المجتهدين ولا يسعى إلى تحقيق مراد الله، يخطئ خطأً جسيمًا، وشدد على الفرق بين رخص الله ورخص المجتهدين وزلاتهم، وضرورة الرجوع إلى الشريعة عند التنازع لا إلى ما هو أخفّ أو أسهل.
وأكد على أن التقليد واجب لمن لا طاقة له في الاجتهاد في الخلافيات.

ثم استعرض نقولات متقدمة من العلماء من مختلف الأزمنة والأمكنة، في ذم اتباع رخص العلماء، ونقد فكرة أن ذمّ الرخص هو فكر متأخر، وبيّن أن هذه النقول تؤكد وجوب الرجوع إلى الشريعة في حالة التنازع، لا الاكتفاء بالخفيف والسهل.

أما في مفهوم التجديد الذي ينادي به سجناء الثقافة الغالبة، فقد أوضح الشيخ أن التجديد عند الذين خضعوا للثقافة الغربية هو تطويع الأحكام والشريعة لثقافة الغالب، وأنهم لو طردوا مع قاعدتهم لانسلخوا من الإسلام في كثير من العقائد والأعمال مثل مناسك الحج، والصلاة ومعناها، والربا، ولو لم يطردوا لوقعوا في التناقض.
وأشار إلى استحالة تأويل كثير من الآيات، كالتي تضع غير المسلمين في صور منحطة، كتشبيههم بالدواب والأنعام، وكل ما يتعارض مع الذوق الغربي المعاصر، كتشويق القرآن للقتال، وما يخص المرأة وحريتها في الحركة.

ثم يطرح السؤال المحوري: هل نُطوّر الوحي ليتناسب مع الذوق المعاصر، أم نُطوّر الذوق المعاصر ليُرقى إلى الوحي؟
واعتبر أن هذا هو السؤال الذي يُفضّل أرقاء الثقافة الغالبة التغافل عنه، وأن من يقول: “ينبغي أن نطوّر أحكام الإسلام لتتناسب مع الذوق المعاصر” يُسِرّ في مقولته أن الذوق المعاصر أرقى من أحكام الوحي.

وأفرد الشيخ في ختام الفصل مساحة لضغط الثقافة الغالبة على الشعائر، وأخذ مثالًا على صلاة الكسوف، فبيّن أن فهمهم المغلوط للسبب يؤدي بهم إلى القول: “بما أننا عرفنا مواعيد الكسوف فلا داعٍ للصلاة”، مع أن العلماء أثبتوا أن معرفة المواعيد لا تُنفي سبب التشريع، وهو عظمة الآية، كما في يوم عرفة الذي نعرفه ولا يُنتقص من عظمته.

الفصل الثاني: العلوم المعيارية

في الفصل الثاني بمسمى «العلوم المعيارية» يتحدث الشيخ عن مهاجمة جنود الثقافة الغالبة “الجهاز الدلالي”، المسؤول عن الدلالة في التشريع، ومحاولتهم تعديله، موضحًا بعض الأغلاط التي جعلتهم في ذلك الموقف، فيوضح أن علم أصول الفقه ليس كله علمًا اجتهاديًّا، بل فيه قطعيات وظنيات، كالمسائل الموضوعية والفنية، ثم يظهر متأثر بالثقافة الغالبة فيطالبه بـ”تجديده”، بينما المصدر التشريعي الرئيسي هو الوحي لا اجتهاد متأخر.

ويناقش قول من يزعم أن الشافعي هو مؤسس أصول الفقه، فيوضح أن أحاديث وآثارًا كثيرة عن المبادئ الأصولية في ترتيب الأدلة، والقرائن الصارفة، ودلالة الألفاظ كانت موجودة قبله، وأن ما قام به الشافعي هو “الإفراد والتنظير والترجيح” لا الابتداع.
وأوضح خطأ من جعل العقل مصدرًا مستقلًا للتشريع مقابلاً للأدلة النقلية، لأن العقل داخِل في الأدلة الشرعية كـ”دليل عقلي” لا كمصدر مُستقل، مع وجود علوم عقلية داخلية مثل الاستصحاب، والقياس، ومقاصد الشريعة.

وفي مبحث مهاجمتهم الرواة وعدالتهم، أكد الشيخ أن من يهجم على الرواة المكثرين كأبي هريرة لا يعلم أن عدد الأحاديث الصحيحة التي انفرد بها لا يتجاوز العشرات، وأنه روى كثيرًا من غيره من الصحابة، وأن النبي كلف كل مجموعة من الصحابة بمهامهم، كما كُلّف أبو هريرة بحفظ السنة وروايتها، وأن نهي عمر له كان عامًّا وليس مُخصَّصًا، وأن عائشة لم تستنكر عليه وحده.

وأكد أن عدالة الصحابة ثابتة بالأدلة القطعية من القرآن والأخبار المتواترة، وبيّن الفرق بين العقل (مثل عدم اجتماع النقيضين) والذوق (مثل استنكار التعدد)، وخطورة الخلط بينهما، ثم لخّص بأن من يخضع للقرآن والسنة يُحاكم المرويات بالعقل والقواعد لا بالذوق الغالب.

ثم ينتقل إلى توظيف نقد المتون، فينتقد كيف يُستخدم نقد بعض المتأثرين بالمُعتزلة مثل الجصاص في رده لحديث السحر، ويجعلونه نموذجًا، مع أنهم لا يحتكمون إلى منهج علمي كالمنهج الذي لدى أئمة الحديث في نقد المتون، بل يردّون الأحاديث بالذوق المُثقّف، أي الذوق الغربي الغالب، بخلاف نقد المتون حين يُخالف عقلًا قطعيًّا أو راويًا أوثق منه.
وقد توسع ابن القيم في كتابه “المنار المنيف” في ذكر قواعد نقد المتون عند أهل السنة والجماعة.

وانتقد بشدة محاولة البعض أن يُقارن تطاول بعض الصحفيين على رفض أحاديث بناءً على الذوق، بأفعال أئمة الحديث مثل ابن المديني وابن معين، واعتبر ذلك استخفافًا بعلم الحديث وبراءة من أصول النقد العلمي.

وعن “تعاكس التجديد”، بين أن الاستحداث في العلوم المدنية مؤشر إبداع مطلوب، أما الاستحداث في العلوم الشرعية فهو مؤشر تراجع وانحطاط، وشهد لذلك بقول النبي للصحابة في العلوم المدنية: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”، وفي العلوم الشرعية: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”.

ثم يحلّل الشيخ طبيعة استراتيجيات الخطابات المنحرفة التي واجهها الخطاب الشرعي السني، ويشير إلى أن أكثرها مراوغة هو خطاب “اللابديل”، لأنه لا يقدم بديلًا مُسمًّى، بل يُفَرّغ اليقين بالخطاب الشرعي دون أن يُقدّم بديله، ويشبّه ذلك بمناعة الإنسان حين تضعف، فيتسنّى للفيروسات الضعيفة أن تستوليَ عليه.
ويعتبر أن هذه ليست فكرًا علميًّا مكتملًا، بل أسلوبًا ماكرًا يقوم على نصب الحبائل، وينسبه إلى مرض الارتياب الناتج عن الإرادات البشرية لا عن الأدلة الشرعية.

الفصل الثالث: نظام العلاقات

* تمييزات العلاقة بالمخالف
يعتقد الشيخ أن أصل ضلال الطوائف الفكرية المعاصرة التي انكسرت أمام ثقافة الحرية الليبرالية الغالبة، في باب الموقف من المخالف يعود إلى جهلهم – أو تغييبهم – لتمييزات منهجية لأهل السنة، وهي على سبيل الإجمال كما يعرضها الشيخ:

– التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية: الأولى لا يتسامح بها، والثانية ممكنة، ولو طردنا نفي الإنكار في كل مسألة خلافية لما أمكن إنكار الربا، والمتعة، والمعازف، وتعطيل الصفات.
– التمييز بين الأصل والهفوة: وجوب التفريق بين من يخالف في المسألة والمسألتين ونحوها، فهذه هفوة، وبين من يخالف في أصل منهجي عام، فهذا يجوز التشنيع عليه، والتشنيع عقوبة مصلحية لا حكمًا مطلقًا.
وأوضح الشيخ أن نقد من يفعل ذلك مع تصريحه باتباعه الكتاب والسنة هو بسبب كثرة التطبيقات الجزئية التي تدلّ على أن الأصل عنده هو تأويل الأحكام لتتناسب مع الثقافة الغربية الغالبة، ويجب أن يعلم أن كثرة الجزئيات تشكّل منهجًا، كما قال أبو إسحاق الشاطبي: “ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات”.
– التمييز بين الرأي المطوي والرأي المنشور: أي بين المنكر الخفي الذي لم يُنشر، والمنكر العلني، فينكر الأول سرًّا، لأنه لو عُلِنَ انتشر، وينكر الثاني جهرًا لتنبيه الناس.
– التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار: ففي مقام الدعوة قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال النبي ﷺ في لينٍ أخاذ لرجل كافر: “أفرغت يا أبا الوليد؟”، أما في مقام الإنكار فقد يحتاج الداعية إلى الحزم والتعنيف والتوبيخ بحسب الحال، فقال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].

– التمييز في أغراض «العبارات» بحسب الأشخاص: التنبيه على أصل من أصول أهل السنة تفسير أغراض الناس من عباراتهم بحسب مناهجهم، وجواز الإنكار في مسألة شرعية ولو كثر فيها المخالفون من العلماء، لأن العبرة بما يظهر من الدليل لا بعدد المخالفين.

وبيّن أن أهل السنة لم يجعلوا المسائل على مرتبتين فقط: قطعي واجتهادي، بل ذكروا مراتب أخرى مثل المعلوم من الدين بالضرورة، والظن الغالب، والظن المُحتَف بالقرائن بما يورث القطع، والتمييز بين النص والظاهر، وغيرها.
وأوضح أن الإنكار فرع عن العلم، أي أن قوّته تتبع قوة العلم بحقيقة المسألة، فالإنكار في القطعي التام أشد من الإنكار في الظن المحتف بالقرائن، والإنكار في الظن المحتف بالقرائن أشد من الظن الغالب، والإنكار في الظن الغالب أشد من الراجح، مع اعتبار حال المنكر عليه؛ فالمتَّبع للهوى يستحق أشد الإنكار، والمتَّبع للحق يستحق أشد الرفق.

وأشار لخلط وقع به البعض في الخلط بين الإنكار والتأثيم بجواب عن سؤال: “كيف يُنكر على المتأوّل والجاهل وقد رفع الله عنهم الإثم؟” وذلك بأن باب الإنكار أوسع من باب التأثيم، فكثير من المتأولين يقعون في مخالفة نص ظاهر فيُنكر عليهم، وإن كانوا معذورين عند الله، فلا تلازم بين الإنكار والتّأثيم، كما أن النبي ﷺ عامل الأمم المستضعفة من الكفار بأحكام الكفار في الدنيا، وإن كانوا عند الله معذورين بسبب جهلهم أو تأويلهم في الآخرة.

وأوضح أن وجود تردد في بعض المسائل: هل هي قطعية، أم ظهور، أم اجتهادية، لا ينفي وجود المراتب ذاتها، كما في ترددنا في تعيين أفراد الضروريات والحاجيات والتحسينيات؛ فهل يقال لا يوجد فرق بين الضروري والحاجي، أو لا يوجد فرق بين الحاجي والتحسيني، وعليه فإنه تقسيم غير منضبط فيرد؟

ثم يعرض الشيخ أجوبته على بعض العبارات المجملة التي تأثر بها بعض الأخيار بسبب كثرة تصفحهم للمقالات المتشبعة بضغط الثقافة الغالبة، مثل: قولهم: “هل الإسلام دين هش لنخشى من الشبهات ؟” و”لا تكن أقصائيا”، و”ليس من حق أحد الوصاية على المجتمع”، و”انتقد من شئت لكن ابتعد عن منهج الإسقاط”، و”لماذا تتحدثون وكأنكم أنتم الصواب دون غيركم؟”، و”لا أحد يملك الحقيقة المطلقة”، و”يجب أن ننتقد الأفكار دون الأشخاص”، و”السلف اختلفوا كثيراً في الموقف من بعض الرموز”، و”الإمام الذهبي مدرسة رائدة في التسامح مع المخالفين بما يخالف طريقة السلفيين”.

* تفكيك مفهوم الطائفية
ثم يخصص مبحثًا بعنوان “تفكيك مفهوم الطائفية”، فيقول: لفظ “الطائفية” مجمل قد يحتمل حقًّا وباطلًا، فإذا كان المقصود منع ظلم الطائفة المنحرفة وتحريم العدوان والبغي عليها، فهذا حق وواجب شرعي، أما إذا كان المقصود منع نقد الطائفة المنحرفة وبيان ضلالها، فهذا خطأ.

وأوضح الشيخ أن هؤلاء لم يتخلّوا عن الولاء والبراء مثقال ذرة، وإنما غيّروا أرضية الولاء والبراء، فصار الولاء والبراء عند بعضهم يُقيَّس على الوطن أو القيم الغربية لا على العقيدة.

* لبرلة الولاء والبراء
ثم يعرض مبحث “لبرلة الولاء والبراء”، فيبيّن أن من كانوا يقولون: “يجب أن يبغض الإنسان كل من كفر بالله بغضاً دينيًا” صاروا الآن يستفزّون لهذا المعنى، لكنهم يُنكرون أن يحبّ أحد من يعادي الوطن، ويُصنّفون من يؤالِي أو يصافح من يعادي الوطن على أنه تطرّف وتخلف، مما يدلّ على أن الولاء والبراء قد نُقل إلى محاور وطنية وقومية، لا إلى محاور دينية.
وبيّن أن لفظ “الموالاة” لفظ عام يشمل الحب والنصرة، والنهي عن العام يشمل جميع أفراده.

وأجاب عن خلطهم بين المحاد والمحارب، بأنه تحريف لكتاب الله، فالقرآن جعل الذين حلفوا لرسول الله محادين مع أنهم ليسوا محاربين (سورة التوبة ٦٢-٦٣).

وأوضح أن بغض الكافر المسالم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبية دينية، أما المودة بين الزوج والزوجة فهي مودة غريزية فطرية، ولا يمتنع أن يجتمع الأمران في شخص واحد.

* مفارقات لبرلة الخلاف
ثم يعرض مبحث “مفارقات لبرلة الخلاف”، فتراهم يدعون للتساهل مع من يقدح في الشريعة، ولا يقبلون التسامح مع من يقدح في ذواتهم، رغم حديثهم عن الهدوء واللطف والأرضيات المشتركة، وأشار إلى أن المقاييس انقلبت؛ فصار التمييز على أساس الأرض: تقدم وحضارة، والتمييز على أساس: لا إله إلا الله تخلف وانحطاط.

* كسر الخصوصية العيدية
ونتيجة لضغط هذه التقاليد الغربية المسيطرة تزايدت الأصوات التي تحاول شرعنة أعياد الكفار، وتأويل المعطيات الشرعية التي تمنع مشاركة الكفار أعيادهم، وعدم إداركهم أن “العيد” في التصور الشرعي ليس شأناً اجتماعيًا محضًا، بل شعيرة دينية.

* آيات الغزو ونقد مقولة “الجهاد دفع فقط”
ثم ينتقل الشيخ إلى مبحث آيات الغزو، ويطرح تساؤلًا: هبوا أننا أوّلنا كل نص في القرآن يأمر بالجهاد على أنه “جهاد دفع” فقط، فماذا نفعل بنصوص “الغزو” و”الغزاة” و”الغازي”؟، وأن القرآن نصّ على النوعين كليهما وقسّمهما بهذا التقسيم في قوله: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: ١٦٧]، فلو كان الدفع هو القتال لَم يُمَيّز بينهما إذن؟!

* الجناب المحمدي والحريّة الليبرالية
ويتابع الشيخ في مبحث أحقر وأبشع تطبيقات الحريّة الليبرالية، فيقول: إن أحد أبشع تطبيقات الحرية الليبرالية عند بعض الكتاب المحليين هو أنهم طردًا لأصلهم في “حرية المخالف”، التزموا بأن من سبّ النبي ﷺ لا يجوز معاقبته، وإنما يُواجه “الفكر بالفكر فقط”، ويبين أن سيرة الأئمة والفقهاء والقضاة المسلمين لم يكونوا يعتبروها خلافًا فكريا بل قضية تعرض على سيف القضاء الشرعي.

وفي خاتمة الكتاب:

يعتقد الشيخ أننا لو نتدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء ونمط تعاملهم مع الأحكام الشرعية المخالفة للأم الغالبة في عصورهم، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم وتعاملهم مع المعطيات الشرعية المعارضة للثقافات المعاصرة لهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ما عليه الطوائف الفكرية المنكسرين لضغط الثقافة الغالبة أنه مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن عامة الطوائف الفكرية المنهزمة للثقافة الغربية الغالبة لا ترى في الوجود إلا القضايا المادية.

editor

هيئة التحرير بمجلة روى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى