أعداد المجلةإصدارات

مجلة روى العدد الثامن

 

 

(بغداد.. مجمع الأمجاد وصِلة الأحفاد بالأجداد)

 

الحمدُ للهِ الذي جعلَ للمدائنِ أعمارًا كأعمارِ الرجال، فمنها ما يهرمُ فيغيبُ ذكرُه، ومنها ما يخلدُ فيسري اسمُه في الآفاق كما يسري العطرُ في الهواء. وإنّ من المُدنِ مدينةً إذا ذُكرتْ حضرتْ معها العصورُ، وإذا نُودِيَت استيقظتْ بها صفحاتُ التاريخ، وإذا نُطِقَ اسمها أحسَّ السامعُ كأنّ الحضارةَ تتكلم بلسانها؛ وتلك هي بغداد، مدينةُ السلام، وسيّدةُ المدائن، وعاصمة الدنيا، وحاضرة الثقافة، ومفترقُ طرُق الفكر، ومَهوى أفئدة العلماء والأدباء، والخواصّ والعوامّ.

إنّها مدينةٌ بُنيَت بالعقول قبل الحجارة، ورُفِعت أسفارُها معَ أسوارِها لِتَكون أساس الحضارة، فكم أخرجَت من كتابٍ ملأ الدنيا علمًا، وكم أنشأت مِن عالمٍ ملأ الآفاق ذِكرًا، وكم ولدَت من شاعِرٍ طار في الناس صيته، وكم صنعَت مِن قائدٍ سار بالأمّة إلى العلياء، حتى غدَت بغداد في تاريخ الإسلام قلبًا نابضًا، إذا نبضَ دبّت الحياةُ في أطراف البلاد جميعها.

وما كان اختيارُ بغداد عاصمةً للثقافة الإسلامية (لعام 2026م) إلا ردًّا لاعتبارٍ قديم، وتذكيرًا بفضلٍ عميم، وتوثيقًا لصحوةِ أبناء الجيل الحاضر؛ إذْ كانت بغدادُ في القرون الخالية سوقَ العلم، ومجلس الأدب، وميدان النظر، ومجمَع العلماء.

ومن أجل ذلك جاء هذا العدد الثامن من مجلة «روى» الثقافية الفكرية الأدبية ليكون تحيةً علميةً وأدبيةً إلى هذه المدينة التي ما فتئ التاريخ يكتب أخبارها، ولا تزال الثقافة تستعيد صورتها.

وقد اجتمع في هذا العدد طائفة من العلماء والباحثين والأدباء، فكتب كلُّ واحدٍ منهم أسطرًا من كتابِ بَغداد الكبير، حتى غدت صفحات العدد كأنها فسيفساء حضارية تعكس وجوه المدينة في التاريخ والفكر والنقد والأدب.

فقد غَنِي القسم الأول (قسم الدراسات) بأحد عشر بحثًا؛ فكتب الأستاذ الدكتور محمد طه الأعظمي دراسته عن تاريخ الاستيطان في منطقة بغداد، مستعرضًا الجذور الحضارية للمدينة في العصور السحيقة، وكيف مهّد الموقع الجغرافي لقيام الحاضرة العباسية لاحقًا.

ثُمَّ تناول الدكتور أحمد الحصناوي في دراسته صورةَ بغداد في أدب الرحلات عبر العصور وصولًا إلى العصر الحاضر.

وأما الأستاذة الدكتورة نظلة أحمد الجبوري فقد عالجتْ في بحثها موضوع الفكرَ الصوفي البغدادي ومدرسة التصوف البغدادية، ليكشف البحثُ عن ماهيةَ الترابطِ الوثيقِ بين الازدهارِ الثقافيِّ والواقعِ الحضاريِّ وآفاقِه الفلسفية بأبعادِها الروحيةِ.

وكتبَ الدكتور عامر ممدوح خيرو دراسةً حضارية عن الصِّلات العلمية بين بغداد والأندلس، مبرزًا دور بغداد في إشعاع المعرفة وانتقالها إلى الحواضر الكبرى.

وكتبَ الأستاذ محمد عكرة النويري عن الصِّلات التاريخية والعلمية والسياسية بين بغداد وطرابلس الغرب من خلال ذكريات الباروني، مع إبراز دور الرحلات والعلماء في توثيق هذه الروابط.

وكتب الدكتور علي حداد دراسة تاريخية عن وقائع بغداد من خلال رؤية أبي حيان التوحيدي في رسالته المهمّة (الرسالة العراقية).

وكتبَ الأستاذ الدكتور أسامة عبد الوهاب الحيّاني عن قرّاء بغداد، وأثرهم في نشأة علوم القرآن والقراءات، مع بيان دور بغداد في ازدهار علم القراءات القرآنية ونشأة مدارس الإقراء فيها.

وكتبَ الأستاذ رياض زيد المختار عن خزائن الكتب البغدادية الخاصة وكنوزها التراثية، فجاءَ بحثًا يوثق عددًا من المكتبات الشخصية البغدادية وما احتوته من مخطوطات ونفائس الكتب.

وكتبَ الأستاذ أحمد وسام شاكر بحثًا تاريخيًا وصفيًا استقصائيًا عن مصحف أماجور (والي العباسيين)، تعريفًا به وبصاحبه، وبأهمّيته، وبما وصل إلينا من أجزائه المخطوطة.

وكتبَ الأستاذ معتصم المفتي دراسة تناولَ فيها بغداد والعراق في الوعي التاريخي واللغوي والجغرافي فجاءت دراسة ترصد مفهوم العراق واسم بغداد في النصوص القديمة والمصادر العربية والآثار المسمارية.

وكتبَ الدكتور محمد جمعة الدربي دراسةً لغوية تاريخية عن اسم بغداد وأصوله في المصادر اللغوية والتاريخية، كاشفًا عن التراكم الحضاري الذي تشكّل منه اسم المدينة ومعناه وعن سبب امتناع بعض العلماء عن إطلاقه في فترة من الزمن.

ثمَّ يأتي القسم الثاني (قسم المقالات) الذي اشتمل على خمسةٍ وعشرين مقالة، تناولَت بغدادَ من جوانب متعدّدة، بدءًا بثقافتها وثقافة أهلها وثقافة شوارعها، مرورًا بعمرانها وآثارها، ثمّ بأعلامها وزُوّارها، وانتهاءً بمدارسها ومؤسساتها العلمية؛ فكانت مقالات تجمَع بين تسليط الضوء على الماضي، وبين تدوين بعض الحاضر، كل ذلك جاء بعيون المؤرخين والنقّاد والأدباء.

وفي القسم الثالث (عالَم الكتُب) نطالِع أربعَ مقالات تسلّط الضوء على مجموعة من المؤلّفات المهمّة ذات الصلة ببغداد وتاريخها وآدابها وأعلامها.

وأخيرًا يأتي القسم الرابع (النصوص الأدبية) محمَّلًا بما تستحقه بغداد من تكريم شعري أدبي حافل خالد، أبدعه شعراؤنا الكبار: د. عارف الساعدي، وعامر الرقيبة، وعدنان آل ناصر. وفي آخرها حكاية قصيدة كتبها متنبّي العصر الحديث (عبد الرزاق عبد الواحد) يرويها لنا نجله الكريم السيد سلام عبد الرزاق.

وهكذا تتجاور في هذا العدد الدراسات التاريخية، والبحوث الفكرية، والمقالات الثقافية، والنصوص الأدبية، لتصوغ معًا صورة مدينةٍ كانت -وما تزال- فكرةً في الحضارة، وذاكرةً في التاريخ، ورمزًا في الثقافة. فبغداد مدينةٌ يذكرها المؤرخ ليستعيد أمجاد العِلم، ويذكرها الأديب ليستحضر أنفاس الشعر، ثُمّ يذكرها القارئ ههنا ليفتح بابَ الحضارة على مصراعيه؛ فما هذا العدد إلا محاولةٌ لإضاءة بعض جوانبها.

ولا يسعنا في الختام إلا أن نزجي جزيل الشكر لكل من ساهم في هذا العدد، داعين أن تبقى أقلامهم موصولة بالعطاء، وأفكارهم مستنيرة بالحقيقة والجمال.

 

أسرة التحرير

 

 لتحميل العدد الثامن (اضغط هنا)

 

 

عمر السنوي

عُمَر ماجِد السِنَويّ (مواليد بغداد، 1987م)، أكاديميّ وناقد ومحقِّق، معني بقضايا الفكر الإنساني، والتأصيل المنهجي. نالَ درجة الماجستير في العربية وآدابها من جامعة فيلادلفيا، بتقدير امتياز، عن رسالته: «أفانين البلاغة للراغب الأصفهاني: دراسة وتحقيق». ويعمَل في بلده العراق مدرسًا في وزارة التربية، وباحثًا في وزارة التعليم العالي. وقد تنقَّل في عدد من الميادين العلمية والثقافية، فاشتغل في التدقيق والتحرير والإعلام والتدريب، في مؤسسات حكومية وأهلية؛ منها: دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة العراقية، محرّرًا في مجلة المورد التراثية المحكَّمة. ودار الآن ناشرون وموزّعون الأردنية مدقّقًا لغويًا. وشركة البوابة الإعلامية الأردنية محرّرًا للقسم الثقافي. ومؤسسة المبدعون التربوية مدرّبًا في ورشات ودورات للغة العربية والذكاء اللفظي. كما أسَّس مجلّة (روى) الإلكترونية، المعنيّة بالعلوم الإنسانية والنصوص الأدبية. ونُشِرَتْ لهُ عدّة أبحاث محكَّمة داخل العراق وخارجه، إلى جانب عشرات المقالات التي يكتبها في الصحف والمجلات، الفكرية والثقافية والأدبية. وقد أنجزَ عددًا من الكتُب تحقيقًا وتأليفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى