بلاغة النفخ

بَلاغةُ النَّفْخ
(حين يَغدو الحاكِم طاغوتًا)
عمر ماجد السنوي
يقول الكاتب الإمارتي (الأكاديمي!) د. عبد الخالق عبد الله، قولًا لو عُرِض على المنطق لطلب إجازةً مرضية:
“لا أحد يستطيع الضغط على حكومة اليمين الفاشية في الأراضي المحتلة حتى رب العالمين” في محاولة بيان عجز حكومته عن الضغط على حكومة الاحتلال!
ثم -في التفاتةٍ بهلوانية- يزعم أن حكومته “حتى لو ذهبت بهم إلى جهنم تستطيع إخراجهم منها”!
وهنا تبدأ الحكاية:
كلنا نعرف أنّ في بلاغة لغتنا أسلوبًا اسمه (المبالغة) يُفهَم في سياقه ولا يُحمَل على حقيقة ألفاظه..
ولكن ما لا نعرفه هو ما وجدناه في هذه الحكاية من أسلوب بلاغي جديد: يمكن تسميته (أسلوب النفخ) ذلك الأسلوب الذي يشترط فيه أن يحمل كمّية من “الكذب المتعمَّد” و”التناقض اللّازِم” -في آنٍ واحد-، لتلميع شخصٍ ما أو الدفاع عن جهةٍ ما!
في هذه الحكاية نحن أمام شخص قرّر -في لحظة صفاءٍ ذهنيٍّ خارق- أن يُقسِّم الكون إلى قسمين:
قسمٌ لا يُؤثِّر فيه شيءٌ… وقسمٌ يُؤثِّر في كل شيءٍ!
والمثير أنه جعلَ هذا (المؤثّرَ في كل شيء) -نفسَه- لا يستطيع التأثير على الذي (لا يؤثّر فيه شيء) !! فكأنما أراد أن يختبر قدرة المتلقّي على تحمّل الصدمات المتتالية.
العبارة الأولى:
تصنع من حكومة الاحتلال كائنًا أسطوريًا، لا تمسّه يد، ولا تبلغه إرادة، ولا تطرق بابه حتى السنن الإلهية -معاذ الله-.
فإن حاولتَ أن تفهم: كيف يحتمل المنطق هذا؟
قيل لك: اصمت… هذه جملةٌ “واثقة”.
العبارة الثانية:
ترفع جهةً سياسيةً إلى مرتبةٍ لو عُرضت على الخيال لاعْتذر عن المبالغة، إذ تجعلها قادرةً على اقتحام جهنم ذاتها، لا للدخول الإرادي فحسب، بل للخروج منها سالمين غانمين!
فإن حاولتَ أن تسأل: ما هذا الخبال؟!
قيل لك: اصمت… هذا تعبير عن “الثقة”.
وبين الجملتين، يُترَك القارئ في حيرة جنون:
هل نحن في درس عقيدة؟ أم في إعلانٍ دعائي؟ أم في مسابقةٍ لأكثر العبارات تضخمًا في أقل عددٍ من الكلمات؟
لو كان الكلامُ كُتلة، لاحتاجت هذه الجملة إلى رافعة.
لكن أجمل ما في الأمر -وأكثره طرافة- أن القائل لم ينتبه إلى أنّه صنع بيديه مفارقةً تُدرَّس في كتب السخرية:
فإذا كان “لا أحد” يستطيع الضغط على تلك الجهة، فمن أين جاءت هذه القدرة الخارقة التي تتجوّل في العبارة الثانية، وتفتح أبواب الجحيم وتغلقها حسب الطلب؟ أهي قدرةٌ موسمية؟ أم أن قوانين الكون تعمل بنظام “حسب الجهة الراعية”؟
الحقيقة:
بعيدًا عن هذا الكرنفال البلاغي، إننا لا نرى تحليلًا سياسيًا، بل نرى عرضًا بهلوانيًا بلسان هذا الكاتب المأجور:
ينفخُ في خصمه المزعوم حتى يخرجه من طبقة البشر إلى ما فوق الألوهية!
وينفخٌ في حاضِنته البائسة ويجعلها تزاحم الإله وتتحداه!
والنتيجة؟
بالونان كبيران…
لكن يكفي دبوسٌ صغير اسمه “العقل” ليُعيدهما إلى حجمهما الطبيعي في لحظةٍ واحدة.
أما نحن، فسنكتفي بمشهد انفجار هذا الكاتب:
صوتٌ عالٍ…
وهواءٌ مضغوط…
ولا شيء يُمسِك بيده وهو يسقط سقوطًا حرًّا.
وعندما تتحوّل اللغة إلى مضخّة، لا تعود وظيفتها البيان، بل الهذيان.
وحين تُغَيَّب الأذهان، يصبح كلُّ شيءٍ قابلًا لأن يُقال بلا ميزان…
حتى أن يجتمع في جملةٍ واحدة نقيضان!!




