البرلمان وصناعة القرار الخارجي

البرلمان وصناعة القرار الخارجي
[مراجعة كتاب: مجلس العموم البريطاني ودوره في مناقشة أهم القضايا الروسية في عهد القيصر ألكسندر الثالث (1881–1894)، للدكتور صادق جعفر الصائغ]
أحمد خضر الحمداني
باحث في علم التاريخ، من العراق
(تمهيد)
تأتي هذه المراجعة في إطار الاهتمام بدراسة التاريخ السياسي الأوروبي في القرن التاسع عشر، ولا سيما الدور الذي اضطلعت به المؤسسات البرلمانية في توجيه السياسة الخارجية للدول الكبرى. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه المراجعة إلى تقديم قراءة تحليلية لكتاب الأستاذ الدكتور صادق جعفر الصائغ، الموسوم: «مجلس العموم البريطاني ودوره في مناقشة أهم القضايا الروسية في عهد القيصر ألكسندر الثالث (1881–1894)»، بوصفه دراسة متخصصة تسلط الضوء على موقع البرلمان البريطاني في صناعة القرار الخارجي خلال مرحلة دقيقة من تاريخ العلاقات الدولية.
وتتناول هذه المراجعة الكتاب من خلال التعريف بمؤلفه وموضوعه، وبيان إشكاليته وأهميته التاريخية، ثم التوقف عند إطاره الزمني والمكاني، ومنهجه ومصادره، وبنيته ومحتواه، وصولًا إلى تقييمه العلمي وبيان قيمته في الدراسات التاريخية.
(التعريف بالكتاب)
يُعدّ كتاب «مجلس العموم البريطاني ودوره في مناقشة أهم القضايا الروسية في عهد القيصر ألكسندر الثالث» من تأليف الأستاذ الدكتور صادق جعفر الصائغ، أستاذ فلسفة التاريخ وتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر في كلية التربية – الجامعة المستنصرية. صدر الكتاب عن دار ومطبعة الكتاب في بغداد (شارع المتنبي)، ويقع في 284 صفحة، موزعة على مقدمة وتمهيد وأربعة فصول.
ويأتي هذا العمل في سياق الدراسات المتخصصة في تاريخ أوروبا الحديث، جامعًا بين التاريخ السياسي والتاريخ البرلماني، ومقدمًا قراءة معمّقة لدور المؤسسة التشريعية البريطانية في التعامل مع السياسة الروسية خلال مرحلة دقيقة من مراحل التوازن الدولي في أواخر القرن التاسع عشر.
(موضوع الكتاب وإشكاليته المركزية)
يناقش الكتاب جانبًا مهمًا من العلاقات البريطانية–الروسية، من خلال تتبّع كيفية تعاطي مجلس العموم البريطاني مع القضايا الروسية الكبرى في عهد القيصر ألكسندر الثالث. وتتمحور إشكالية الكتاب حول سؤال رئيس مفاده:
إلى أي مدى أسهم مجلس العموم البريطاني، بوصفه مؤسسة تشريعية، في توجيه السياسة الخارجية البريطانية تجاه روسيا القيصرية؟ وما طبيعة القضايا التي شغلت هذا النقاش البرلماني؟
تكمن أهمية هذا الموضوع في أنه ينقل مركز التحليل من الحكومات ووزارات الخارجية إلى البرلمان، بوصفه ساحة لصناعة الرأي السياسي ومنبرًا لتفاعل الأحزاب وضاغطًا مؤثرًا في القرار الخارجي، وهو اتجاه لا يزال محدود الحضور في الدراسات العربية.
(الإطار الزمني والمكاني)
يغطي الكتاب فترة حكم القيصر ألكسندر الثالث (1881–1894)، وهي مرحلة تميّزت بالتحفظ السياسي الروسي داخليًا، وبإعادة ترتيب العلاقات الدولية خارجيًا، خصوصًا مع بريطانيا. وقد أحسن المؤلف صنعًا حين مهّد لهذه الفترة بعرض تاريخي سابق يبدأ من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى عام 1881، موضحًا تطور دور مجلس العموم وانتقاله من موقع ثانوي إلى فاعل رئيس في مناقشة القضايا الروسية.
أما من حيث المجال الجغرافي، فيمتد نطاق الدراسة ليشمل بريطانيا وروسيا بوصفهما قطبي العلاقة، إضافة إلى مناطق التوتر والصراع مثل آسيا الوسطى، وأفغانستان، والبلقان ولا سيما بلغاريا.
وقد اختيرت هذه الفترة تحديدًا لأنها تمثل مرحلة إعادة تعريف التوازن البريطاني–الروسي، ونهاية تدريجية لمفهوم «اللعبة الكبرى»، وهو ما انعكس بوضوح في النقاشات البرلمانية البريطانية.
(المنهج والمصادر)
اعتمد المؤلف المنهج التاريخي التحليلي، مع تركيز واضح على التاريخ البرلماني، من خلال تتبع النقاشات والمواقف والاصطفافات الحزبية داخل مجلس العموم وربطها بالسياق السياسي والدولي العام.
ومن حيث المصادر، تميز الكتاب بتنوع ملحوظ شمل مصادر عربية (عراقية ومصرية)، ومصادر غربية بريطانية وأمريكية وفرنسية وألمانية، وسجلات مناقشات مجلس العموم البريطاني، وصحفًا رسمية وإعلامية مثل The London Gazette وThe Times (London)، إضافة إلى وثائق روسية رسمية، وقاموس تاريخي روسي لضبط المفاهيم، وموسوعة علمية متخصصة بتاريخ بريطانيا وإيرلندا.
ويُلاحظ – على الرغم من هذا التنوع – قلة المصادر الروسية مقارنة بالمصادر البريطانية، وهو أمر مفهوم نسبيًا بحكم طبيعة الموضوع، إلا أن توسيع الاعتماد على المادة الروسية كان من شأنه أن يمنح الدراسة بعدًا مقارنًا أعمق.
(بنية الكتاب ومحتواه وأطروحاته)
افتتح المؤلف كتابه بمقدمة تناول فيها طبيعة الأنظمة السياسية في بريطانيا وروسيا تمهيدًا لفهم خلفيات النقاش البرلماني، ثم أعقبها بتمهيد موسّع بعنوان «مجلس العموم البريطاني وانتقاله من الظل إلى الريادة في مناقشة أهم القضايا الروسية»، تناول فيه تطور دور البرلمان وتأثير الصراع الحزبي وسياسة «اللعبة الكبرى» وتداعيات اغتيال القيصر ألكسندر الثاني.
وجاءت الفصول الأربعة مترابطة زمنيًا؛ إذ ركز الفصل الأول على موقف مجلس العموم من تطورات السياسة الداخلية الروسية في السنوات الأولى من حكم ألكسندر الثالث، ولا سيما قضية اليهود وانعكاساتها الدبلوماسية. أما الفصل الثاني فخصص لمناقشة السياسة الروسية في آسيا الوسطى وأفغانستان ومخاوف التوسع الروسي. وتناول الفصل الثالث التعقيدات السياسية مع روسيا، خاصة الأزمة البلغارية والمسألة الأفغانية والبعد الاقتصادي الروسي. في حين عالج الفصل الرابع المرحلة الأخيرة من حكم القيصر، وما رافقها من تحولات في الخطاب البرلماني البريطاني.
ويُلاحظ أن المؤلف حافظ على تسلسل زمني ومنطقي واضح، يربط بين تطور الأحداث وتبدل المواقف البرلمانية.
يقدم المؤلف قراءة تبرز أن مجلس العموم لم يكن مجرد ساحة للنقاش، بل كان فاعلًا مؤثرًا في توجيه السياسة الخارجية البريطانية، ومعبرًا عن تفاعل معقد بين الرأي العام والأحزاب والمصالح الإمبراطورية.
(التقييم العلمي للكتاب وقيمته في الدراسات التاريخية)
يُحسب للكتاب اختياره موضوعًا نادرًا في الدراسات العربية، واعتماده على مصادر أولية مهمة، ولا سيما السجلات البرلمانية والصحف البريطانية، فضلًا عن دقة التحليل وربط النقاش البرلماني بالسياق الدولي.
وفي المقابل، يمكن الإشارة إلى غلبة المنظور البريطاني على حساب الرؤية الروسية، إضافة إلى التركيز السياسي أكثر من الاجتماعي، وهو خيار منهجي مشروع، لكنه يفتح المجال لدراسات لاحقة مكمّلة.
إنّ هذا الكتاب يمثّل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية العربية، خاصة في ميدان تاريخ أوروبا الحديث والعلاقات الدولية، ويُعد مرجعًا مهمًا لطلبة التاريخ والباحثين المهتمين بتاريخ البرلمان البريطاني والسياسة الخارجية والصراع الدولي في القرن التاسع عشر.
وفي المحصلة، يقدم كتاب الدكتور صادق جعفر الصائغ دراسة رصينة ومتوازنة تُبرز الدور البرلماني في صناعة السياسة الخارجية البريطانية تجاه روسيا القيصرية، وتفتح آفاقًا بحثية جديدة في دراسة التاريخ السياسي الأوروبي. ويُعد هذا العمل نموذجًا للدراسة الأكاديمية الجادة التي تجمع بين التوثيق والتحليل، وتستحق مكانتها في الدراسات التاريخية المعاصرة.




