العدد الرابعمقالات

الفلسفة وخلق الفردية

تتبع التطور الثوري للوعي

الفلسفة وخلق الفردية

تتبع التطور الثوري للوعي

 

بقلم الدكتور: مارك فيرنون[1]

ترجمة: عمرو عاطف رمضان

 

الفلسفة وخلق الفردية
الفلسفة وخلق الفردية تتبع التطور الثوري للوعي

لماذا نعتقد دائمًا مرجعية الفلسفة إلى الأصل اليوناني القديم؟ فبرغم كل شيء، من الواضح أن المصريين القدماء، أولئك الذين سبقوا فيثاغورس وأفلاطون، وبارمينيديس وأرسطو، بحوالي 2500 سنة، قد مارسوا الحكمة أيضًا: “إن قوة الحق والعدالة تكمن في أن تسود” كما تسجل حكم “بتاح حتب” حوالي عام 2350 ق. م.

في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” 1945، يناقش بيرتارند راسل فكرة أنه من الصحة الظن بأن بداية الفلسفة كانت في القرن السادس ق. م. مع اليونانيين القدماء (في مدينة “ميليتوس” أو “بالاتا”، مستوطنة يونانية قديمة تقع فيما تسمى الآن بتركيا)، ولذلك لأنه فقط في هذا التوقيت بدأ الفلاسفة بتمييز أفكارهم بعيدًا عن علوم اللاهوت. وبرغم أن تلك كانت دائمًا المسألة في كتابه الشائق، إلا أن راسل في النهاية يقدم وجهةَ نظرٍ وليست قضية محققة، وعلى كلٍ، فهذا المفكر الذي يلقب دائمًا بـ”الفيلسوف الأول”، “طاليس”، نذكره أكثر ما نذكره بجملته الشهيرة: “كلُّ الأشياءِ مليئةٌ بالآلهة”.

في كتاب “تاريخ جديد للفلسفة الغربية”، يطرح فيلسوف أكسفورد أنتوني كيني فكرة أن الفلسفة قد بدأت فعلًا مع أرسطو (384-322 ق. م.)، وذلك لأن أرسطو كان الفيلسوف الأول الذي استطاع بشكل منهجي تلخيص تعاليم أسلافه كي يكون قادرًا على نقدها. والحق أنني أظن أن هناك ما يستحق النظر في نظرية كيني، ذلك لأن المنهجية كانت طرحًا جديدًا، نهجًا جديدًا لم يتبناه معلم أرسطو العظيم من قبل، أفلاطون.

من هذا المنظور، يمكننا أن نجد حس الطبيعة الراديكالية في حركة أرسطو، هذا إذا وضعنا في الاعتبار بعضًا من الكلمات التي اخترعها هو لصنع هذه الطبيعة. على سبيل المثال: كان أفلاطون يعرف مصطلح “التناظر” Analogy، لكنه لم يعرف مصطلح “التحليل” Analysis. كان أرسطو هو الذي وضع مصطلح التحليل. يُدلِّل هذا على أنه في حين كان أفلاطون يفترض أن الغرض الأساسي من الجدال هو الإشارة إلى الحقيقة، كان أرسطو يرى أن الجدال يمكن أن يؤدي لتفكيك المادة موضوع الدراسة، بالضبط كما يمكن للتشريح تقطيع الأزهار أو الأسماك. كان أفلاطون يعرف مصطلح “الكيف” Quality، لكنه لم يعرف مصطلح “الكم” Quantity. كلمة أخرى كان لأرسطو الفضل في صياغتها. لذلك كان أفلاطون دائمًا أكثر اهتمامًا بفكرة “الوحدانية” Oneness. والثنائية والثلاثية Twoness and Threeness، عن اهتمامه بفكرة الأعداد المجردة واحد واثنان وثلاثة. إن نظرته للرياضيات كانت دائمًا نظرة تأملية، كما يعبر عن ذلك في حكايته عن سقراط، حين لاحظ الأخير قطرتا مطرٍ تتساقطان متصادمتين لتشكلا معًا كرة فضية من الماء. “أين ذهبت الثنائية؟ الانفصالية؟ الازدواجية؟ الاستقلالية؟ أين ذهب كل هذا؟!”. هكذا سأل سقراط، وأما أرسطو فقد اختلف عن ذلك، كان باستطاعته كذلك تأمل الأعداد رياضيًا، فهو يقترح مثلًا أن العدد “3” هو عدد ممتاز، لأنه يحتوي على بداية، ووسط، ونهاية. لكنه كذلك كان مهتمًا بالـ”ما مدى؟” والذي يعنيه مصطلح “الكم” Quantity. بعد ذلك، أصبح المفكرون مهتمين كثيرًا بالجانب القابل للحصر لأشياءٍ توجد في عالم تجريبي! كان هذا شيئًا جديدًا! يكتب “أوين بارفيلد” هذا، بدايةً مع أرسطو: “صار باستطاعة العقل البشري الآن أن يزِن وأن يقيس، أن يفحص وأن يقارن، وظل هذا الوزن والقياس مستمرًا -على فتراتٍ- لمدة ثلاثةٍ وعشرين قرنًا”[2]. ويمكننا القول أنه بعد أرسطو، صار بالإمكان فصل المعرفة التجريبية عن المعرفة النظرية، هذا الانفصال عن فكرة “الحكمة” في الأساطير القديمة وفي التقاليد، هذان الجانبان حيث غالبًا ما نجده ملتصقًا بهما.

إن الأمر يستحق منا أن نخوض في مدى عمق هذ التحول الفكري. على مدار ألفيةٍ كاملة، شعر أسلافنا أنهم قد عاشوا في كونٍ مسكونٍ كليًا بكيانات حية، وأن هذه الكيانات الذكية قد كونت مسار حركة العالم. وعندما كتب “بتاح حتب” عن الحق والعدالة، لم يكن يقصد تلك الأفكار المجردة التي نفكر نحن بها اليوم، بل كان يفكر في تلك الخصائص الشخصية للإله “مَعت”. “عظيمٌ هو مَعت” كما تقرر كتاباته الحكيمة. هذا هنا هو محض تمجيد إلهي.. الحق والعدالة ينتصران لأنه الإله معت خالد الوجود.

عالم النفس الثوري “روبين دونبار” كان يدرس عقلية تفكير القدماء بحثًا عن جذور الأديان، وقد صار مفتونًا بفكرة كيف أن جماعات الصيد الجماعي كانت تنخرط سويًا في حالة من النشوة أو الذهول، ووصل للاعتقاد أنه في العصر الحجري الأوسط، منذ حوالي 250.000 إلى 50.000 عامٍ مضى، اكتشف البشر أنه بإمكانهم إحداث مثل هذه الحالات المغايرة من الوعي. وقد قادهم هذا الاكتشاف إلى ما يسميه دونبار ب”الدين الغامر” Immersive Religion، بناءًا على مواجهاتٍ خاضوها مع أرواحٍ وكياناتٍ قد تمثلت لهم في رؤاهم ومماراساتهم الشامانية. كان للرقصات الطائفية والطقوس المهيمنة الميزة التخديرية على إطلاق هرمون “الإندورفين” الذي يتدفق في أجساد الممارسين، والذي ظن دونبار في إثباتِ أنه لا يقدر بثمن. وكمثل هذا الأثر من النشوة النفسية أحدث الأفيون، والذي كان باستطاعته تخفيف الضغوط التي كانت لا محالة منتشرة في المجموعات الأكبر من البشر. وعلى ذلك، فهذه الحالة من النشوة أو الذهول، لم تقد فقط إلى إدراك الآلهة، بل لقد عززت وبصورة عظيمة اجتماعية الإنسان، فحيث كانت الجماعات الرئيسية من أبناء العمومة تشبه جماعات الشمبانزي، محدودة في أعداد الأفراد ولا يمكنها الاتصال إلا بالزواج، كانت هذه التجارب الدينية البدائية تعني أن المجتمعات البشرية يمكنها أن تنمو لتشكل عشائر وقبائل، وفي النهاية لتشكل مدنًا. وباختصار، فقد أخذ الإنسان طريقًا ثوريًا حيث كان البقاء، الحكايات، والإحساس بسحرية الكون، أفكارًا مرتبطة بشدة، وكسر هذه الروابط لم يكن عملًا سهلًا أبدًا، بالرغم من ذلك، يمكننا القول أن هذا هو ما حققته الفلسفة في مكتشفها الحديث، “التحليل” Analysis.

وبالطبع، لم يغير أرسطو وحده كل شيٍ بين ليلةٍ وضحاها. بل في الواقع، في اعتقادي أنه كان ليذهل من الصورة التي يراه الناس عليها الآن، وذلك لأنه هو نفسه، كان يتقصّى رؤاه التجريبية والنظرية على أنها “فُتوحٌ إلهية”. ولهذا السبب كان ينصح أتباعه ألا يفكروا كمخلوقات فانية، بل أن يتمتعوا بالفكرةِ أننا نشارك الخالدين في خلودهم، وذلك عندما نقوم بصَقل “الأشياء الأفضل فينا” كما نفهم الأمر! كانت نشوة أرسطو في أن يرى إلى أي مدى يمكن لعقله أن يقبض علي حكمة الكون من خلال الحدس والسبب. ومع ذلك، تحول الأمر مع مرور الزمن إلى أن ابتكارات أرسطو في الجانب الفكري أمكنت من ظهور طريقة مغايرة تمامًا للنظر إلى العالم. ما نسميه نحن الآن بالعلوم المحضة أو العلوم التجريبية، هي الطفل الوليد لعمله. وقد صار بإمكاننا في عصرنا الحديث أن نصف العالم دون إشارةٍ إلى الأراوح الحارسة أو الكيانات الماورائية على الإطلاق.

تغييرات جوهرية للفكر:

إذن، فقد كان كيني محقًا في بعض الأمر، كان أرسطو هو المفتاح لما يسمى “تخصصيًا” بالفلسفة، مع ذلك، ففهمي للأمر يؤكدة ضرورة وجود حركة سابقة لذلك، شيٌ آخر كان لابد أن يحدث قبل ثورة أرسطو، ومهد الأرض للناس كي يكون باستطاعتهم تقدير قيمة التفكير تحت شروط الكم والتحليل. كان هذا تحولًا آخر للوعي – ميلاد تلك العقلية التي يُطلب منها أن تُمحِّص جوانب الواقع، وتضعها في مواجهةٍ مع خلفيتها المتدفقة عن الآلهة والكيانات الحية.

ويمكن لمقياس هذا التحول السابق في الوعي أن يكون ملموسًا إذا سألنا: “ما الذي كان يجب عليه الحدوث ليصل الأمر لفعل ما فعله أرسطو؟” لقد كتب عن “الأخلاق” Ethics، وأعطى لأول مرة سردًا منهجيًا عن كيف تزدهر. ووصف “المنطق” Logic، تلك القواعد التجريدية التي تقود الفكر. وتوصل إلى طرقٍ لفهم العالم لم توجد مصادفةً في الطبيعة، بل أوجدها باستخدام تقسيم “التصنيفات” و”الأنواع”، وباستخدام “الميكانيكا”. لفعل كل هذا، كان عليه أن يأخذ خطوة عقلية للوراء، أن يحصل على دفعةٍ مَعرفيةٍ لما يسميه “توماس نيجيل”: “المشهد من العدم!”. فقط من هذا المنظور المحايد العقلاني قد استطاع أن يكتب عن الأخلاق وعن المنطق وغيرهما. ولكن هذه الخطوة لم تكن في الحقيقة إنجازًا له هو، وإنما كانت من إنجاز أسلافه من الفلاسفة.

بالنظر إلى واحد من فلاسفة عصر ما قبل سقراط، أناكسيمينس (حوالي 586 – 526 ق. م.)، كان مشهورًا للغاية بسبب تجاربه. على سبيل المثال، قام في تجربةٍ بالنفخ في يده مرتين، مرةً وفمه مفتوح والأخرى بشفاهٍ مطبقة، ولاحظ شيئًا، عندما كان فمه مفتوحًا، شعر بالهواء باردًا، وعندما كانت شفاهه مطبقة، شعر بالهواء أكثر برودة!

ما يثير الاهتمام في هذه التجربة، أن لابد أن عددًا لا يحصى من الناس قبل أناكسيمينس قد مروا بنفس تجربته، لكن ما يجعل أناكسيمينس منفردًا، أنه قام بالتوقف أمام الأمر، تراجع في عقله أمام التجربة، وسأل ذلك السؤال الصغير: “لماذا؟ لماذا يوجد الاختلاف؟ ما الذي يحدث بالضبط؟”.

بإمكاننا القول اليوم أنه قد عثر على المباديء الرئيسية لفكرة “التبريد”: عندما يتمدد الهواء، يزداد برودة. وهذا ما حدث عندما قام بإطباق شفتيه. وهو ما يسمى ب”قاعدة بويل”. لكن ما حدث أن أناكسيمينس لم يفكر في البدء باستخدام اكتشافه بالحصول على براءة اختراع وإطلاق ثورةٍ صناعية. ما يذكر أناكسيمينس بسببه كأثر، يرجع إلى ذلك التحور في طريقة التفكير والذي يتضح في ذلك الفضول التجريبي. في هذا الوقت، كان حريًا الإشارة إلى أنه صار باستطاعة البشر أن يتراجعوا عن الانجراف وراء مجريات حياتهم وتجاربهم اليومية.

وهذا التراجع كان راديكاليًا. وفي الواقع لقد انزعج بعض الناس بمثل هذا المقترح، في وقتٍ كان الفلاسفة يضطهدون فيه لطرح أسئلتهم، بل لقد أدي إلى إعدام بعضهم، بما فيهم سقراط نفسه. ولم تكن المشكلة في أن الفلاسفة قد تحدّوا الحكمة المسلم به، بل لقد كانوا مصدر “إزعاجٍ” للعوام أيضًا، وكان ذلك تحدٍ أكثر إقلاقًا، ولو أنه مع مرور الزمن كان بإمكان ذلك أن يقود قيام ثورةٍ للفكر. يكمن ذكاء أرسطو في أنه استطاع قيادة الموجة التي بدأت في عصر ما قبل سقراط بامتياز، ودفع ثمن ذلك أيضًا، بالنفي لمرتين خارج أثينا.

ومع ذلك، فقد كان الأمر الأكثر راديكالية هو فكرة التوقف أمام حياتهم واستكشاف دواخلهم. وأصبح بإمكان الناس أن يفصلوا جليًا أفكارهم الفردية الخاصة عن بقية العالم -ويمكنني أن أمضي وأقول لأول مرةٍ في تاريخ البشرية- عن طريق فلاسفتهم، أولئك الذين ناضلوا لتكون لهم أفكارهم الخاصة. ما فعله هؤلاء المفكرون كان اختراع “الإحساس بالفردية” Sense of Individuality.

ويمكننا استخدام نظرية “دونبار” عن أصول الأديان لتشريح هذا الاعتقاد. بعد أن توصل إلى اكتشاف مرحلة حالة النشوة، يعتقد دونبار أن ثمة شكل ثانٍ من التدين بدأ يبرز تدريجيًا، معتمدًا ليس على الحالة المنتشية للعقل، بل على الممارسة اليومية للطقوس الرتيبة المعتادة. إراقة الخمر، ترديد الصلوات، التضحية أمام الأضرحة، زيارات الشامانات والكهنة من أجل البهجة والتشافي: رسخت هذه الممارسات خبراتٍ دينية وأشكالًا للحياة. وبجانب أشياء أخرى، عنى ذلك أن لم يعد الناس مضطرين إلى أن يتكبدوا عناء إيجاد طرقٍ مغايرة للوعي كي يحصلوا على تلك المنافع الاجتماعية للدين. إن زيارة العوالم الروحانية والأجداد صار بإمكانهم استبدالها بالاحتفالات والأعياد.

يسمي دونبار الشكل الثاني من التدين بـ”الدين العقائدي”، ويرجح حدوثه خلال العصر الحجري الحديث (حوالي 10000 – 5000 قبل الميلاد)، عندما بدأ أجدادنا باستئناس الحيوانات، والزراعة، وبدأوا بتكوين حيوات أكثر استقرارًا. كان ذلك هو الوقت الذي بدؤوا فيه ببناء المعابد.

كانت مصر القديمة واحدة من أكبر المظاهر لهذه الحياة. يظل إرثها في الأهرامات العظيمة وفي الفنون الجنائزية قادرًا على إدهاشنا حتى يومنا هذا. وهي تمثل المرحلة الثانية. في هذه المرحلة، يبدو وكأن الإله “رع” قد فاز بهذا الصراع الأبدي في مواجهة الإله “أبوفيس”، في كل مرةٍ تشرق فيها الشمس في الصباح.

الفردية من خلال الفلسفة والدين:

بالعودة إلى كيفية اتصال الفلسفة بهذه التطورات، في اعتقادي أن أفلاطون قد تعرف حثيثًا على طريقة تفكير المصريين القدماء بعد إعدام سقراط عام 399 ق. م. ونستطيع رؤية اهتمام أفلاطون بالديانة المصرية القديمة في المحاورات الأخيرة مثل محاوارات تيماوس Timeous، حيث يصف الطقوس الكهنية والمعبدية المصرية بكونها ميكانيكية ومتحجرة. وفي ظني أنه قد قام بزيارة مناطق على النيل، وشاركهم في الأسرار، ووجدها عديمة الفائدة، فلم تقدر على إيصاله لا بالإله رع ولا بغيره من الآلهة.

وكان نتاج هذا الفشل هو خروج شكلٍ جديد من أشكال الوعي، ألا وهو الفردية. ويظهر إحساسه بذلك بشكلٍ طاغ في أسئلته لسقراط. كان سقراط تجسيدًا حيًا للفردية الجديدة، وقد كلفه ذلك حياته ذاتها. لقد أزعج “ثرثار أثينا” كما كانوا يلقبونه الناس بعمقٍ لأنه جعل من سؤال: “لماذا؟” و”ماذا يعني هذا؟” أسلوبًا للحياة. تم اتهامه بالخيانة ووجد مذنبًا لاتضاح تنحيه عن أسلوب الحياة الجمعي الذي يحيا عليه مواطنوه. إحدى التهم الموجهة لسقراط كانت: “إدخال الآلهة الأجنبية”. وبدلًا من المشاركة في الديانة الجمعية، كان لأرسطو علاقة خاصة واتصالٍ خاص بالإله “أبوللو” كما يقول هو نفسه في كتابه: “الدفاع”:the Apology “كان هذا هو ما أبعدني عن اتخاذ شؤون العوام، وأنا أظن أنه كان من الصوابِ أن يُبعدني”.

وأصبح هذا الإحساس الخالص بالفردية ثمرة ناضجةً لأرسطو، الذي استطاع مدَّ هذه الأساليب الجديدة لحياةٍ تجعلها ممكنة الوجود، حققها من خلال أعماله الاصطلاحية والفلسفية. ويمكننا وصف الأمر كالآتي: “إذا أردت أن تعرف لماذا أصبح أرسطو لاحقًا في غاية الأهمية لمفكري أوربا في الألفي عامٍ التاليين، ستكون إحدى الإجابات أن عمله بلور وأثقل وجود مصطلح “الوعي”.

إنّ أشكالًا جديدة ومغايرة للوعي لا تخلق كل يوم! ويستغرق الأمر الكثير من الوقت كي ينبت ويزدهر، وهذا هو ما حدث خلال نشأة الفلسفة الإغريقية. إن الشكل الذي الأقرب إلينا اليوم من الفكر، معتمدًا على فكرة “الفردية”، جاء إلى الوجود فيما بين القرن السادس والرابع ق. م. في اليونان القديمة، والفلسفة كما نعرفها قد ولدت مع خلق الفردية.

ومع ذلك، فإنني لا أعتقد أن هذا الوعي الجديد قد انتشر تلقائيًا بعد سقراط وأفلاطون وأرسطو، بل لقد كان للمدارس الهلنستية -الأكثر شعبية في القرون التي تلت الرواقيين- دورًا كبيرًا في نشرها. وقد قاموا بتطوير أساليب لتدعيم الإحساس بالفردية عندما لاحظوا أن لها فائدةً علاجية. لقد كانت هناك تجارب للفحص الذاتي، وتنمية الوعي الذاتي والتعبير عن الذات، والتي تمخضت عن إدراكٍ ذاتيٍ بالزلّات ومواطن الضعف الشخصية، وفضائلها ومواطن قوتها. وكان الهدف هو تحقيق نوعٍ من الإتزان الداخلي. أطلق الباحث في تاريخ الفلسفة القديمة “بيير هادوت” (1922-2010) على هذه الأساليب “التمارين الروحية”، وذلك لأنها تمركزت حول الجانب الداخلي من الفردية: “توافقت التمارين الروحية غالبًا مع الحركة القائمة على أن “الأنا” كان يرتكز حول نفسه، ويكتشف بأنها لم تكن كما اعتقد كونها دائمًا”، يوضح هذا في كتابه: “ما هي الفلسفة القديمة؟” (1995، ص190).

وأصبح الإحساس بالفردية منتشرًا بميلاد المسيحية على يد مفكرين لاحقين مثل أوين بارفيلد. وفي اعتقادي أن هذه “الديمقراطية” في فكرة الفردية كانت سببًا أساسيًا في هذه الشعبية الكبيرة للمسيحية في القرون المتقدمة من الألفية الأولى بعد الميلاد.

آمن المسيحيون بأن المسيح هو إنسانٌ بالكامل وهو إلهيٌ بالكامل معًا، وأن رسالته كانت لجميع الناس ليؤمنوا بها على حدى، وقد حولت هذه الفكرة “الفردية” لتتحول من كونها منجزًا فلسفيًا لكونها مثلًا أعلى للإنسانية كلها.

ومرة أخرى باستطاعنا رؤية الدليل على هذا التحول في الكلمات الجديدة التي راحت تظهر على السطح. على سبيل المثال: في القرن الثاني، عرَّف المُدافع عن المسيحية “جاستين مارتير” لأول مرةٍ معنى أن يكون لديك “إرادةً حرة” في شكلٍ يمكننا نحن الآن فهمه وتمييزه، فكرة “وكالة المرء عن نفسه”. وعلى صعيد آخر، تم اتهام شخصٍ لأول مرة بالانتحال الفكري، تقريبًا في نفس الفترة الزمنية، حيث أنه قد أصبح من الممكن القلق بشأن الحقوق الفكرية، إذ أن ذلك “الفرد” الذي قام بكتابتها قد أصبح لوجوده أهمية. وقد بدأ المسيحيون كذلك بالتآخي والتوحد فيما بينهم، لا لأنهم انتموا إلى نفس العائلات أو المدن كما كان الأمر في العالم القديم، بل بسبب ذلك التحول الشخصي والانتماء إلى ذلك الإيمان الجديد. لقد صار بإمكانهم أن يتواصلوا بكونهم كيانات فردية، وليس بكونهم أقارب أو مواطنين، وهذا كان سبب انتشار المسيحية: “كانت الميزة الأقوى للمسيحية هي قدرتها اللامتناهية على تكوين شبكات تشبه القرابة بين أناسٍ غرباءٍ عن بعضهم كليةً” يكتب المؤرخ “كايل هاربر” في كتابه “مصير روما” (ص156، 2017).

وقد شابه وعيهم وعينا نحن كثيرًا في كونه يحمل “الفردية”، لكنه لم يكن كوعينا بالضبط، لأنه، بنهاية العصور القديمة وبداية العصور الوسطى، ظل “الأفراد” يشعرون في داخلهم بالطبيعة والكون والإله.لم يعد في اعتقادهم أنهم يساقون أبدًا وراء إله المصير أو الأرواح، ولكن أصبح باعتقادهم أنهم إذا عاشوا حياةً فاضلة، فإن فرديتهم بإمكانها أن تعكس حياة الرب نفسه. مع ذلك، في عصورنا الحديثة تحوَّل شكل الوعي مرةً أخرى، وأصبح ممكنًا التشكيك في نظرياتهم، وحتى التشكيك ف المعبودات والأرواح. وأصبح بإمكاننا أن نكون فردياتٍ منعزلة، مُنصرفةٍ عن العالم من حولنا، الشيء الذي يمكننا اعتباره الكفُ عن وجود أي حياةٍ داخليةٍ بذواتنا.

وحتى مع هذا، فيمكننا دائمًا قراءة أفلاطون وأرسطو والفلاسفة الهيلنستيين، وإيجاد أنهم قد أناروا حياتنا بصورةٍ كبيرة، لأننا، بشكلٍ ما، ما زلنا نشاركهم في وعيهم. عندما نعرف عن حياة سقراط وموته، فإننا نعرف ما الذي خاضته الفردية لكي تولد إلى الوجود، هذا الإحساس بأن تضحيته كانت هي السبب في خروج طريقة رؤيتنا هذه للحياة. نحن نعجب بسقراط ونقدره، ولا نرى أبدًا أنه كان خائنًا بل نراه بطلًا، وهذا السبب هو ما يجعلنا نعتقد دائمًا في مرجعية الفلسفة للأصل اليوناني القديم.

 

 

 

الهوامش:

[1] نشرها بالإنجليزية في مجلة Philosophy Now، العدد 138 يونيو / يوليو 2020. لندن، المملكة المتحدة.

وكاتبها مارك فيرنون، معالج نفسي، وكاتب، وأكاديمي. لديه اهتمام كبير بالروحانية والحياة الداخلية. حاصل على دكتوراه في الفلسفة القديمة. انظر: www.markvernon.com

 

[2] تاريخ الكلمات الإنجليزية، 1926. ص111.

 

اقرأ أيضًا:

في وداع الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

التاريخ والذكريات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى